فهرس الكتاب
.وأذكر إن الوالد (1) - رحمه الله - كان يذهب يوميا من الرياض إلى مزرعة الجد عبر طريق رملي غير معبد يستغرق المسير فيه ما يقارب من الساعة والنصف بالسيارة، يذهب يوميا ليقوم بإعطاء إبرة عن المرض الذي ألم بالجد - رحمه الله - ثم يعود إلى الرياض ليكون حصيلة الذهاب والإياب ثلاث ساعات يوميا واستمر على ذلك فترة طويلة يقوم بدور الممرض لوالده رحمها الله. قيل لعلي بن الحسين بن علي - رضي الله عنهم - وهو من هو في علو الشرف ورفعة الكعب: قيل له: أنت من أبر الناس، ولا نراك تؤاكل أمك؟ فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبق إليه عينها فأكون قد عققتها. وكان حيوه بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين يقعد في حلقته يعلم الناس، فتقول له أمه: قم يا حيوه فألق الشعير للدجاج فيقوم ويترك التعليم. وما أجمل الفقه في الدين يرتقي بالمرء إلى مراتب عظيمة فلا يقدم أمرا على آخر. قال هشام بن حسان: قلت للحسن إني أتعلم القرآن، وإن أمي تنتظرني بالعشاء، قال الحسن:"تعش العشاء مع أمك تقر بها عينها، أحب إلى من حجة تحجها تطوعا". ولعظم ما أعد الله عز وجل من الأجور لمن قام بحق والديه وبر بهما؛ بكى الحارث العكلي في جنازة أمه فقيل له: تبكي؟ قال: ولِم لا أبكي وقد أغلق عني باب من أبواب الجنة! وقال بعض العلماء: من تغرب عن الوالدين في طلب عيش أو في ضرورة فليدمع وليسأل الله عز وجل وعلا أن يغفر ذنبا حرمه القرب من الوالدين. وتأمل في أمر البر لديهم.. كان ابن محيريز يقول: من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه، ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه، إلا أن يقول يا أبه. وما أعظم الإسلام دينا ومنهجا ولاء وبراء.. دين الرحمة وأداء الحقوق.. حيث على البر بالوالدين ومصاحبتهما في الدنيا معروفا حتى وإن كانوا كفارا! قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: (قال أصحابنا في
(1) - والد كاتب المقال الشيخ / محمد بن قاسم . رحمه الله .