فهرس الكتاب
-قالت: بني إن الطاعة التي يريدها الله ليست الطاعة التي على هواك متى غضبت نفرت.. ومتى رضيت وأنست استرضيت.. فالأم لهجها الدائم ) قد رضيت عليك يا بني ). وما تظنها قائلة وقد فطر الله قلبها على حب الابن.. أما ترى كم من أصدقائك من هجر وفجر فإذا رجع إلى أمه تبسمت وكأن لم يكن قد حدث منه شيء.. وأنى لها أن تعتب على فلذة كبدها.. ولكن.. هل يرضي هذا الله؟.. ثم إن كان ذلك فما معنى قوله تعالى: (( وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا وقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) ) (1) .. وهذا قضاء وحكم وجوب من رب العزة على عدم التأفف وهو الأصغر.. وما علمت الأم تبالي بالتأفف ولكنه طاعة لله ، وتأدب معه ، وقد قرن ذلك بالإخلاص له وعدم الشرك.. ومرة أخرى قرن فقال: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } النساء36 .. إذا كان لك رغبات في الحب والكره ، وذبذبات في الرأي فمتى كان لك أن تقيس الرضا بمعيارك وتظن أنه رضى للوالدين فقد هلكت يا أسعد.. أما رأيت كيف يستذل الطائر وينكسر إذا خفض جناحه للنزول فكذلك اخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. وهذا ما فهمه ذلك السلف الصالح.. أما سمعت عن ذلك الرجل الذي حمل أمه على عنقه حاجًا وكان يرتجز وهو يطوف ويقول:
إني لها بعيرها المذلل *** إن أذعرت ركابها لم أذعر
ثم التفت إلى ابن عمر وقال له: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: لا ولا بطلقة واحدة من طلقاتها ، ولكن أحسنت ، والله يثيبك على القليل الكثير.
(1) - الإسراء 24 .