فهرس الكتاب
ووجه كون الدية والكفار ة من الأمور المعينة على منع القتل:
أن ذلك مما يدعو الإنسان إلى التحفظ واليقظة والانتباه والتحرز من الخطأ لأن معظم الخطأ يحصل من الناس بسبب عدم تحرزهم وتيقظهم فإذا علم الإنسان أن وراءه كفارةً وديةً في القتل الخطأ ازداد حرصًا ويقظة فقل الخطأ بإذن الله.
أما في شبه العمد مع ملاحظة هذا المذكور آنفًا، فإن هناك أمرًا آخرًا وهو منع التعدي ومنع الإسراف في الضرب، لأن الإنسان إذا علم أن ضربه ربما يؤدي إلى قتل أخيه ويلزم من ذلك الدية والكفارة امتنع من ذلك وكف عنه.
سادسًا: تأخير تنفيذ القتل في من وجب قتله إذا خُشي من قَتْلِه الإضرارُ بغيره:
وهذا برهان آخر وآية ناطقة ووسيلة واضحة لحفظ الدماء في هذه الشريعة الغراء. حيث لا يقام الحد، ولا يستوفى القصاص من المرأة الحامل حتى تضع حملها، بل حتى ترضعه ويستقل بالطعام إن لم يجد مرضعًا. وذلك لأن في قتلها وهي حامل إزهاقًا لروح جنينها بغير حق، وكذلك في قتلها قبل إتمام إرضاعه ضرر عليه ربما يؤدي إلى هلاكه وضياعه.
ـ 226 ـ
ولذا أخّرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الغامدية [1] حتى وضعت بل حتى فطمت ولدها ففي صحيح مسلم (أن الغامدية جاءت إلى رسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله: إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها فلما كان من الغد قالت: يا رسول الله، لِمَ تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا فوالله إني لحبلى، إما لا، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت هذا قد ولدته: قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة
(1) قيل اسمها سبيعة وقيل أبية. (تهذيب الأسماء واللغات: 2/ 367) .