المطلب الأول: مناقشة قول الأشاعرة وبيان أثره في إثبات المقاصد.
المطلب الثاني: في مناقشة قول الظاهرية وبيان أثره في إثبات المقاصد.
ـ 79 ـ
توطئة:
في عرض الأقوال في مسألة تعليل أحكام الله إجمالًا
قبل أن أبدأ في الكلام عن تفاصيل المقاصد، لا بد من إثبات أن للشارع في شرع الأحكام مقاصِدَ وحكمًا، وذلك يتطلب الوقوف ـ أولًا ـ على مسألة عقدية لها تعلق بهذا الموضوع وهي مسألة تعليل أفعال الله وأحكامه وقد اختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: أن أفعال الله معللة وكذلك أحكامه، وأنه سبحانه خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لغاياتٍ مقصودة وحِكَم محمودة، وهذا قول السلف [1] ، ونسبه شيخ الإسلام إلى أكثر الناس من أتباع المذاهب الأربعة وأكثر أهل الحديث، وأهل التفسير، وقدماء الفلاسفة، وكثيرٍ من متأخريهم [2] ونسبه ابن القيم إلى أهل التحقيق من الأصوليين والفقهاء والمتكلمين وبه قال المعتزلة أيضا. [3]
ـ 80 ـ
(1) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: 8/ 38، 8/ 89، ومنهاج السنة: 1/ 455، وشفاء العليل لابن القيم ص 392، ومدارج السالكين 1/ 117، وإعلام الموقعين 1/ 196، والحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى ص 36 وما بعدها. والمسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ص 280.
(2) انظر: مجموع الفتاوى: 8/ 89.
(3) انظر: شرح الأصول الخمسة ص 509 وما بعدها. ومما تجدر الإشارة إليه أن المعتزلة وإن اتفق رأيهم مع رأي أهل السنة في تعليل الأحكام غير أنهم يختلفون عنهم في أمور:
أ - أنهم أعادوا الحكمة إلى المخلوق ولم يعيدوها إلى الخالق سبحانه على فاسد أصولهم في نفي قيام الصفات به، فنفوا الحكمة من حيث أثبتوها، وجحدوها من حيث أقروا بها (مفتاح دار السعادة ص 454) . وأهل السنة يثبتون حكمة تعود إلى الله يحبها ويرضاها من شرح الأحكام والطاعات، وحكمة تعود إلى العباد هي نعمة عليهم يفرحون بها، ويلتذون بها وهذا في المأمورات والمخلوقات (مجموع الفتاوى 8/ 36) .
ب - أن المعتزلة وضعوا لله تعالى شريعة بعقولهم وأوجبوا على الرب تعالى بها وحرّموا عليه، وشبهوه بخلقه بحيث ما حسُن منهم حسُن منه، وما قبح منهم قبح منه بناءً على قاعدتهم في التحسين والتقبيح، وأهل السنة لم يوجبوا على الله شيئًا إلا ما أوجبه على نفسه في كتابه أو على لسان رسوله كقوله: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) . وأثبتوا له حكمة تليق به .. انظر: مجموع الفتاوى 8/ 91، ومفتاح دار السعادة ص 454.
فالمعتزلة يرون أن الغرض من التكليف تعويض المكلف بالثواب وتعريضه إلى درجة لا تنال إلا به انظر: شرح الأصول الخمسة ص 510.