القول الثاني: أن أفعال الله وأحكامه غير معللة، بل خَلَقَ المخلوقات وأَمَرَ بالمأمورات لا لعلة ولا باعث بل فعل ذلك بمحض المشيئة وصرف الإرادة.
وهذا قول الأشعرية [1] والظاهرية [2] .
ونسبه شيخ الإسلام إلى القاضي أبي يعلى [3] وابن الزاغواني [4] من الحنابلة وقال: (وهذا القول في الأصل قول جهم بن صفوان [5] ومن اتبعه من المجبرة) . [6]
ـ 81 ـ
بعد استعراض القولين السابقين في مسألة التعليل نحتاج إلى التأمل في القول الثاني: قول نفاة التعليل والحكمة وهل يؤثر هذا القول على إثبات المقاصد أو لا؟ وما مدى أهميته من الناحية العملية؟ وذلك في مطلبين:
المطلب الأول
مناقشة قول الأشاعرة في نفي التعليل والحكمة
من الغريب حقيقة أن يتزعم الأشاعرة هذا الرأي وهو القائلون بالقياس ومبنى القياس على العلة.
(1) انظر: مقالات الإسلاميين ص 470، والإرشاد لإمام الحرمين ص 247، والمحصّل (محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي 483، والمواقف للإبجي ص331.
والأشعرية هم أتباع أبي الحسن الأشعري قبل أن يرجع إلى مذهب السلف وذلك في المرحلة الثانية حين رد على المعتزلة.
والأشاعرة لا يثبتون من الصفات الإلهية إلا سبع صفات ويؤولون بقية الصفات بتأويلات عقلية، ويخالفون السلف في بعض المسائل أيضًا.
انظر: الملل والنحل ص 94، ومنهج الأشاعرة في العقيدة للدكتور سفر الحوالي، مجلة الجامعة عدد 62 من ص 65 - 104.
(2) انظر: الإحكام لابن حزم: 8/ 76 وما بعدها، وملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل ص 47 وما بعدها، والفصل لابن حزم: 3/ 210.
(3) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد الفراء، القاضي، من أئمة الحنابلة، وشيخهم في عصره، عالم زمانه وناشر مذهب الإمام أحمد له مصنفات منها: العدة في أصول الفقه، ومختصر العدة، والكفاية، ومختصر الكفاية، توفي سنة 458هـ. انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة: 2/ 193، والمنهج الأحمد: 2/ 128.
(4) هو علي بن عبيد الله بن نصر الزاغواني الحنبلي، أبو الحسن البغدادي، له مصنفات كثيرة منها: غرر البيان في أصول الفقه، والإيضاح في أصول الدين، والواضح، والخلاف الكبير والمفردات، توفي سنة 527هـ، انظر ترجمته في: ذيل طبقات الحنابلة: 1/ 180، والمنهج الأحمد: 2/ 227.
(5) هو: جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم السمرقندي، قال الذهبي: (أُسُّ الضلالة) ورأسُ الجهمية هلك في زمن صغار التابعين سنة 128هـ، انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: 6/ 26 والأعلام للزركلي: 2/ 141.
(6) مجموع الفتاوى: 8/ 37.