وقد اخترت في هذا البحث بعضًا من المظاهر الصوتية التي استطعت أن أقف عليها وعلى أثرها في بيان مقاصد القرآن الكريم، فبدأت ببيان دورها في اللسانيات الحديثة من خلال الإشارة باقتضاب إلى أهم الوظائف المنوطة بها، ثم عرَّجْتُ على عدة مباحث تمثِّل صميم هذا البحث، وهي على النحو التالي:
المبحث الأول: طريقة الأداء في دلالات «ما» وبعض قضايا الاستفهام.
المبحث الثاني: بعض دلالات التنوين في القرآن الكريم.
المبحث الثالث: أثر ظاهرة الوقف في المعنى.
مع التركيز في كل مبحث من هذه المباحث على أثر هذه المظاهر الصوتية في بيان معاني القرآن الكريم، واختلاف المترجمين لها. وتجدر الإشارة إلى أني لم أستوعب في بحثي هذا المظاهر الصوتية، بل عرّجْتُ على نماذج منها.
المبحث الأول: طريقة الأداء في دلالات «ما» وبعض قضايا الاستفهام.
ينبغي أن نشير هنا إلى أن السمات الصوتية - أو المظاهر - خاصة باللغة المنطوقة، إذ يفهم السامع في طريقة نطق المتكلم وأدائه الصوتي للعبارة المعنى المراد. وهذا ما نجده ملموسًا في بعض آيات القرآن الكريم الذي يُعتمد فيه على المشافهة، فلو نظرنا إليه بوصفه نصًا مكتوبًا فإننا لانجد فيه علامات ترقيم تدل على معاني الاستفهام والتعجب والإنكار ، وغير ذلك من الأساليب التي قد لا تظهر إلا بطريقة الأداء وغيرها، ولذا كان لزامًا على المقرئ، أو القارئ المحقق أن يؤديها بطريقة توحي بالمعنى المطلوب.
وهذا الأمر ليس مقصورًا على القرآن الكريم، وإنما هو في كلام العرب شعرًا ونثرًا، ومصداق ذلك قول الشاعر: [1]
ثُمّ قالوا: تُحِبُّها . قلتُ: بَهْرًا عَدَدَ النجمِ والحصى والترابِ
(1) البيت لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص97، وهو في كتاب سيبويه 1/311، وشرح المفصل لابن يعيش 1/297 . ويُروى: عَدَدَ الرمل والحصى والتراب، وبهرًا: عجبًا.