فهرس الكتاب
ككّل التواقين للحرية، الظامئين للمجد التليد، المتشوقين لتنسم عبير الاستقلال الحقّ، الباحثين عن كل ما يشبع كرامة الوطن ويعلي شأن أهله الصامدين، المنتمين إلى أصالة هذه الأمة وعراقة تاريخها وحضارتها، المرابطين على ثرى الوطن دون كلل أو ملل، ودون وجل أو نصب، حتى يأذن الله بفجر الحرية والخلاص، الصابرين على الأذى والألم والمعاناة، واللأواء والتقتيل والإذلال، الموقنين بوعد الله والواثقين بحتمية نصره لعباده المؤمنين، كانت هبة ضراغمة..
بين يدي الحديث عن هبة، وجميع الاستشهاديات، تتراءى أمام ناظريك أطواد شامخات عزّ نظيرهن هذه الأيام، وتستبد بك مشاعر بالغة الرهفة، عميقة الأثر، حيال النماذج اللاتي آثرن ركوب المشقة والعنت والعناء، وقررن خوض طريق ذات الشوكة من أوسع أبوابه، وامتشاق ذراه، وبلوغ عليائه عبر أسلوب العمليات الاستشهادية الذي يمثل ذروة العطاء، وقمة التضحية بالنفس في سبيل الدين والعقيدة والوطن والمبدأ.
ورغم السمت العام الذي يميز جميع الاستشهاديات، واللاتي استحققن به الفخر المديد والدرجة الرفيعة، إلا أن كل استشهادية تحمل في ركن من أركانها، أو زاوية من زوايا حياتها المضيئة، ما يميزها عن غيرها، ويمنحها نوعًا من الخصوصية التي تطبع شخصيتها وتحيطها بشيئ من التفرد. وقد تجلى سمت هبة الخالص في إيثارها الشهادة الأخروية على الشهادة الدنيوية، فقد آثرت ما عند الله على ما عند الناس، فتبدلت لأجل ذلك موازين حياتها، وأشكال اهتماماتها وتفاعلاتها، وباتت الشهادة الجامعية في نظرها - رغم أهميتها وثقلها في مواجهة ظروف الحياة، ومتطلبات الأعمال البشرية- شيئًا عاديًا، بل وربما رقمًا هامشيا في حياتها بجوار الشهادة الأخرى، التي رأت فيها الشهادة الحقيقية التي ستنقلها من أدران المادة ولوثات الدنيا إلى نور الآخرة وجوار الرحمن وموئل السعادة الحقة والراحة الأبدية.