فهرس الكتاب
وما دام الأمر كذلك، قد يكون من المهم إعادة سرد بعض الوقائع عن هذه العملية، ولا ضير في ذلك بغرض التجلية والتوضيح. فعملية بيت ليد المزدوجة، نفذها الشهيدان أنور سكر وصلاح شاكر، وكانت عملية قوية ونوعية، والأولى التي تنفذها حركة الجهاد بهذا الحجم، وقد أدت هذه العملية المزدوجة إلى مقتل 22 صهيونيًا معظمهم من الجنود، فضلًا عن إصابة العشرات، وقد أعلنت الحركة عبر جناحها العسكري آنذاك ( القوى الإسلامية المجاهدة،"لواء قسم"، لواء أسد الله الغالب) مسئوليتها عن تنفيذ العملية، ولم يزاحمها في ذلك أحد، سوى ترديد المصادر الأمنية الصهيونية، وصحافة العدو، ولفترة طويلة، بأن بصمات المهندس يحي عياش، خبير المتفجرات في حركة حماس، التي كانت هي أول من افتتح هذه السلسلة من العمليات التفجيرية في الانتفاضة الأولى (1)
(1) بالمناسبة، تدعي حركة الجهاد بأنها هي أول من قامت بعملية استشهادية في الانتفاضة الأولى عام 1987م، فهم أصحاب أول رد وأول فعل كما يقولوا، وليت الأمر يقتصر على بعض الكوادر والأعضاء الذين تأخذهم الحمية، التي تعمل ساعتها علي تغييب العقول، بل إن الأمر يصل إلى أعلى قممهم القيادية الواعية والمثقفة، إلى الأمين العام الدكتور رمضان شلح ، الذي كرر بدوره مثل هذه الادعاءات عندما استضافه المحاور اللامع غسان شربل في حوار على خمس حلقات متتالية في جريدة الحياة اللندنية بتاريخ 7-11/1/2003م، وكنا قد رددنا عليه في حينه في نفس الجريدة، بتاريخ 4/2/2003م، وقلنا في حينه بأن الدكتور شلح ورغم اختلافنا معه في طريقة طرحه لكثير من القضايا في هذا الحوار، إلا أنه يفرض علينا احترامه لما يتمتع به من ثقافة عالية وواسعة، وسرعة بديهة يحسد عليها، وحفظ واستظهار للأرقام والتواريخ عند الحاجة إليها، فضلا عما يتمتع به من حس وطني عال، وإن كان هذا الحس لا يخلو غالبا من الحزبية الضيقة ( رغم ما يبدو عليه حديثنا من تدقيق وتفنيد ولربما شدة من وجهة نظر بعض أفرادهم، إلا أننا لا نعتبر الأمر أكثر من صدام أفكار بغرض استجلاء الحقائق، وعرض لوجهة نظر نعتقد بأنها الصواب، مشفعين إياها بالأدلة العلمية والمنطقية والموضوعية، و ليعذرنا الدكتور شلح، فنحن نحترم شخصه وحركته، التي نجلها كحركة إسلامية لها دورها ومكانتها، إلا أن عملنا البحثي يفرض علينا الأمانة العلمية والموضوعية، طرحا ومعالجة، دون أية اعتبارات أخرى، وليعتبر الدكتور شلح أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وندعوه بأن يتمثل معنا قول الإمام الشافعي:"رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب") ، وتتجلى هذه الحزبية بوضوح في قضية مهمة - وهى وإن لم تكن مهمة، إلا أن حديث الدكتور شلح هو الذي جعلها هامة، وهى قوله أن حركته هي دوما صاحبة أول رد، وهى المبادرة دوما بالعمل المقاوم، وأن حركة الجهاد هي أول من نفذ عملية استشهادية في انتفاضة الأقصى، وهي عملية الشهيد نبيل العرعير - وهذا صحيح - وأن حركة الجهاد أول من نفذت عملية داخل الخط الأخضر في هذه الانتفاضة، وأنها أول من نفذت عملية استشهادية مزدوجة في بيت ليد، وأول وأول ... إلخ، ولكن عند سؤال الدكتور شلح من نفذ أول عملية استشهادية في الانتفاضة الأولى 1987م، خانته ذاكرته - وهو الذي يستظهر التواريخ جيدا - وأجاب بسرعة يحسد عليها: حركة الجهاد الإسلامي -وهذا غير صحيح - واحضر الدليل، وهو عملية الشهيد أنور عزيز من مخيم جباليا بتاريخ 13/12/1993م، وعندما قال له المحاور: ولكن حماس هي من نفذت أول عملية استشهادية، أجاب أن حماس تقصد عملية رائد زكا رنة بتاريخ 6/4/1994م، ورغم أننا لم نسمع أن حماس أو أحدا من قادتها يردد أو يهتم بمثل هذه المقولات وهذه الشكليات، مثل أول رد وأول عملية، إلا أن الحقائق تقول أن حماس هي بالفعل، من نفذت أول عملية استشهادية في الانتفاضة الأولى، والحقيقة أن عملية رائد زكارنة، كانت أول وأسرع رد من حماس على مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل بتاريخ 25/2/1994م، ولم تكن أول عملية استشهادية تنفذها حماس كما ذكر الدكتور شلح، الذي أظهر أنه يحفظ حتى تواريخ عمليات حماس، وليس عمليات الجهاد الإسلامي فحسب، لكن للأسف الدكتور شلح يبدو أنه لا يريد أن يستظهر أو يحفظ كل العمليات، التي يحفظها سجل المجد القسامي، وهو معذور لأنها كثيرة، وتعمل زحام في الدماغ، ولكننا نحب أن نضيف لذاكرة الدكتور شلح، ست عمليات استشهادية نفذتها حماس، إضافة لزرع سيارة مفخخة تم تفجيرها عن بعد، قبل تاريخ عملية الشهيد أنور عزيز التي ذكرها الدكتور شلح كأول عملية استشهادية في الانتفاضة الأولى.
* العملية الأولى كانت بتاريخ 16/4/ 1993م، والتي نفذها الشهيد ساهر تمام من نابلس، والتي استهدفت مقهى يرتاده الجنود الصهاينة في مستوطنة"ميحولا"القريبة من مدينة بيسان، والتي أدت إلى مقتل وإصابة العديد من الجنود الصهاينة.
* العملية الثانية، هي عملية زرع السيارة المفخخة وتفجيرها عن بعد، تحت مبنى مركزي مكون من خمسة عشر طابقا وسط"تل أبيب"بتاريخ 16/5/1993م، وأدت إلى مقتل وإصابة العشرات، لكن سلطات الاحتلال تكتمت عليها، وادعت أن أنابيب الغاز أسفل العمارة هي سبب الانفجار. نفس العملية تكررت بعد أقل من أسبوعين عند زرع سيارة أخرى تحت مبنى أخر، لكنها اكتشفت وتم اعتقال زاهر جبارين الذي كان يقودها، وكانت سببا في كشف ومطاردة خبير المتفجرات في حماس الشهيد المهندس يحيى عياش، الذي أصبح مطلوبا من تاريخها.
* العملية الثالثة، هي محاولة اختطاف الحافلة الصهيونية في التلة الفرنسية في القدس بتاريخ 1/7/1993م، للمساومة على إطلاق سراح الأسرى في السجون الصهيونية، وكانت المهمة استشهادية قام بها المجاهدون ماهر أبو سرور ومحمد الهندي وصلاح عثمان، وبعد فشل محاولة الاختطاف وإصابة المجاهد صلاح عثمان إصابات خطيرة أفقدته الوعي - وهو حتى هذه اللحظة نصف مشلول ويسمى الشهيد الحي- قام الهندي وأبو سرور باختطاف سيارة تقودها مستوطنة صهيونية، وكانت معهما حقائب المتفجرات، وفجرا نفسيهما والمستوطنة في حاجز لجنود العدو عند توقيفهما للتفتيش، موقعين العديد من القتلى والجرحى الصهاينة.
* العملية الرابعة، هي عملية الشهيد أيمن عطا الله من غزة بتاريخ 12/9/1993م، على الشارع الرئيسي لمستوطنة"نتساريم"جنوب مدينة غزة، والتي استهدفت سيارة عسكرية تابعة لمصلحة السجون الصهيونية، والتي تم تفجيرها واعتراف العدو بإصابة ضابط ومجندة في العملية.
* العملية الخامسة، هي عملية الشهيد بهاء النجار من مخيم الشاطئ في غزة، الذي اقتحم في عملية استشهادية مركز شرطة العدو في حي الرمال بغزة ظهر يوم الثلاثاء 14/9/1993م.
* العملية السادسة، هي عملية الشهيد أشرف مهدى من حي الشيخ رضوان بغزة على طريق الشيخ عجلين في المدينة المؤدي إلى مستوطنة"نتساريم"حيث كان ينوي تنفيذ عملية استشهادية فيها، وكانت بعد أيام من العملية السابقة.
* العملية السابعة، هي عملية الشهيد سليمان زيدان بتاريخ 4/10/1993م، التي استهدفت مقر القيادة الخاصة لجيش الاحتلال بالقرب من مستوطنة"بيت إيل"في الضفة الغربية، والتي اعترف العدو بإصابة ثلاثين من جنوده فيها، منكرا وقوع قتلى.
نقطة أخرى أخطأ فيها الدكتور شلح عند سؤاله من الذي فجر الانتفاضة الأولى عام 1987م، ورغم أنه أجاد في الإجابة في البداية عند قوله أن الذي فجرها هو الشعب الفلسطيني وليس من حق أي تنظيم أن يزعم أنه صاحب قرار تفجيرها - وهذا عين الصواب - إلا انه يتدارك ويعود ليقول، عند فتح باب التنافس فلدينا من الوثائق والأدبيات التي يعترف بها العدو، أننا أول من فجر هذه الانتفاضة، وأشار إلى عملية 6/10/1987م، والتي استشهد فيها أربعة من عناصر حركة الجهاد في حي الشجاعية بغزة، ورغم الفارق الزمني بين الحدثين ( شهرين) ، ورغم أن عملية الشجاعية لا تعدو كونها حادثا منفصلا، لا علاقة لانتفاضة 87 به، فضلًا عن عدم علاقة جناح الشقاقي بالحادث ذاته, وهو كمثله من الحوادث والمواجهات التي سبقت انتفاضة عام 1987م، وعبر سنين طويلة، والتي كانت تتم في مناسبات متفرقة مثل يوم الأرض، أو في ذكرى المذابح الصهيونية ضد شعبنا، أو في إطار المقاومة الطبيعية والمستمرة لرفض احتلال فلسطين والتي ينفذها الشعب الفلسطيني منذ قيام دولة الكيان ومن قبل ذلك أيضا، ورغم أن انتفاضة عام 1987م الشعبية شيء آخر، إلا أن الدكتور شلح يعتبر أنهم أول من فجر الانتفاضة الأولى، بل لا يعترفون أصلا بتاريخ بدء الانتفاضة الأولى"8/12/1987م"، بل أرخوا لها في أدبياتهم من تاريخ 6/10/1987م ، خلافا لما اجمع عليه المؤرخون، وما أجمعت عليه كل فصائل شعبنا، وهذا ما يحمل تناقضا واضحا مع ما ذكره د.شلح في البداية من أن الشعب، وليس أي تنظيم هو من فجر الانتفاضة الأولى.
... أما لو قال لنا د.شلح أننا نقصد أننا كنا الإرهاصات الأولى لهذه الانتفاضة، فنقول إن الحياة التي كان يحياها شعبنا تحت الاحتلال وإدارته المدنية، والمواجهات التي كانت تتم على فترات متقطعة، كانا إرهاصات لهذه الانتفاضة، ثم لو سلمنا بهذا المنطق، فإنه يصبح من حق حماس أن تقول أنها كانت هي الأخرى تعد لهذه الانتفاضة، وأنها هي من فجرت الانتفاضة الأولى، خصوصا لو أشارت إلى المواجهات الملتهبة مع قوات الاحتلال التي اندلعت بين طلبة الجامعة الإسلامية التي تسيطر عليها حماس، والتي سبقت انتفاضة عام 1987م، وامتدت لمناطق أخرى من القطاع، كذلك تأسيسها لجهازها الأمني الذي سبق اندلاع الانتفاضة بسنوات، والذي اهتم بملاحقة وجمع المعلومات عن عملاء الاحتلال، ونفذ عمليات تصفية بحق أربعة من العملاء قبل انطلاق الانتفاضة، واعتقل العديد من قادته وعناصره، مثل المجاهد الأسير يحيى السنوار والمجاهد الأسير روحي مشتهى اللذين حكم عليهما بالسجن مدة أربعة مؤبدات لمسئوليتهما عن ذلك، إلى جانب إطلاق النار على بعض المواقع العسكرية للاحتلال الصهيوني وذلك قبل الانتفاضة الأولى, وأنها هي من أججت نار الانتفاضة عبر مشاركتها القوية والفاعلة فيها، وبروزها كتيار موازي للقيادة الوطنية الموحدة، مما أعطى للانتفاضة زخما وقوة، لأنه جعل التنافس على أشده بين القيادة الموحدة وحماس في سبيل تصعيد وتطوير الانتفاضة، ثم ليحدثنا د.شلح وبأمانة عن دور وإنجازات حركته في انتفاضة عام 1987م وحتى عام 1993م، عام توقيع اتفاق أوسلو، مع احترامنا لدورها مهما كان صغيرا، والذي كبر اليوم في انتفاضة الأقصى، كذلك يصبح من حق فتح أن تقول أيضا ما تقول في دورها في إشعال الانتفاضة، بل ومن حقها أن تقول أنها الرد الأول والحجر الأول والرصاصة الأولى، ومفجرة ليس انتفاضة عام 1987م وحسب، بل الثورة الفلسطينية بتاريخ 1/1/1965م، مع أن الدكتور شلح، وفى برنامج"حوار مفتوح"الذي يقدمه المذيع القدير غسان بن جدو في قناة الجزيرة الفضائية، وبتاريخ 9/1/2003م، وفي معرض رده على غسان بن جدو عندما أشار إلى هذه النقطة أجابه قائلا بأن الشعب الفلسطيني من أوائل القرن الماضي وهو يقاوم المشروع الصهيوني وليس من تاريخ 1/1/1965م، ومن هنا نتساءل: لماذا ينكر الدكتور شلح على الآخرين القول والادعاء بتفجير الانتفاضة، في حين يبيح لنفسه ولحركته ذلك؟!