فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 241

ولم تتجلى في ملحمة جنين وحدة البنادق فحسب، بل تجلت وحدة الدماء كذلك، باستشهاد القائد القسامي أشرف أبو الهيجا، والمجاهد القسامى عبد الرحيم فرج (1)

(1) الشهيد القسامي أشرف أبو الهيجا، والشهيد القسامي عبد الرحيم فرج يعتبرهما قادة الجهاد من المحسوبين على حركتهم، كما جاء في حوار للدكتور شلح مع صحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 30/4/2002م، إذ اعتبر أن الشهيدين من سرايا القدس ووصفهما بأنهما من مساعدي طوالبة بالمفهوم الحزبي الضيق، وليس مساعديه بمفهوم التوحد في ساحة المقاومة، أو في ملحمة جنين، لكن للأسف فقد ذكر د.شلح اسم الشهيد عبد الرحيم علي فرج خطأ، إذ لفظ اسمه على أنه الشهيد عبد الرحمن أحمد فرج، وبالنسبة للشهيد القسامي أشرف أبو الهيجا فلا نعرف على أي أساس أعتبره د.شلح منتميًا إليهم، إذ تناقلت كثير من التقارير الإخبارية والصحفية المحايدة اسمه باعتباره أحد قادة كتائب القسام في معركة جنين، كما أن اسمه لم يتم تضمينه في قائمة شهدائها المنشورة عبر الإنترنت، لا في قائمة الشهداء القادة، ولا في قائمة الشهداء العاديين، ولا مع من تم ذكرهم من شهداء حركة الجهاد في ملحمة جنين ( الشهيد محمود طوالبة والشهيد رياض بدير ) ، أما الشهيد القسامي عبد الرحيم فرج فظهوره مع الشهيد محمود طوالبة في بعض الصور الشخصية، لا تعني انتماءه لهم، خاصةً وأن هذه الصور بدون سلاح، أو أية شارات خاصة بهم، كما أنهم لم ينشروا أية معلومة عن الشهيد فرج تؤكد انتماءه إليهم، ولا تعرف عنه سوى هذه الصورة مع الشهيد محمود طوالبة، بعكس كتائب القسام التي نشرت تقريرًا عن الشهيد جاء فيه:"ولد الشهيد القسامي عبد الرحيم احمد حسين فرج في مخيم جنين بتاريخ 15/10/1976م في أحضان عائلة فلسطينية قروية متدينة هجرت من أرضها عام 1948م، وتلقي الشهيد عبد الرحيم تعليمه الأساسي والإعدادي في مدرسة وكالة الغوث في مخيم جنين، وأكمل بعدها الدراسة الثانوية في مدرسة السلام الثانوية في مدينة جنين حيث حصل الشهيد على شهادة الثانوية العامة في الفرع الأدبي."

اعتقل الشهيد عبد الرحيم مرتين في انتفاضة عام 1987م، كانت المرة الأولى عام 1988م لمدة 4شهور بتهمة ضرب الحجارة والمشاركة في فعاليات الانتفاضة، أما المرة الثانية اعتقل لمدة 45 يوما قبع خلالها في التحقيق بتهمة العضوية في حركة فتح، خرج بعدها من السجن بنشاط وروح معنوية أكبر مس الثلاثاء الموافق 2/4/2002م حيث بدأ الجيش الصهيوني بحصار مخيم ومدينة جنين من جميع المداخل، في هذه الأثناء كان الشهيد البطل عبد الرحيم فرج مع رفاقه يعدون العدة ويوزعون المجموعات والمقاتلين حول مداخل المخيم الأربعة.

وهنا تقول والدة الشهيد:"جاء عبد الرحيم في يوم الأربعاء 3/4/2002م للبيت وقد كان مستعجلا جدا، قام بتقبيل يدي ويد والده وودع أخوته وأخواته البنات وأوصاهم بالعبادات والتركيز على الصلاة، ثم قال لي: (أدع الله لي أن أنول الشهادة في سبيل الله) ، بعدها غادر المنزل حيث كان يحمل سلاح من نوع (إم 16) كانت له، ومع بدء المعركة التحق الشهيد البطل بمجموعة الشهيد القسامي محمود الحلوة والتي كانت متمركزة في حارة الحواشين، وفي تلك المنطقة وفي يوم الثلاثاء 9/4/2002م نصبت المجموعة التي كان فيها كل من الشهيد محمود الحلوة ومحمد الفايد وأمجد الفايد وعبد الرحيم فرج ونضال النوباني كمينا محكما لعدد من الجنود الصهاينة في أحد البيوت، وقتل خلال هذا الكمين أكثر من 13 جنديا جبانا، وبعد هذا الكمين انتقل الشهيد عبد الرحيم للعمل مع مجموعة الشهيد القائد محمود طوالبة رفيق درب الشهيد عبد الرحيم حيث كان عبد الرحيم من أعز رفاق الشهيد محمود."

وهنا يقول أحد شهود العيان (أحد المقاتلين) والذي يروي قصة استشهاد عبد الرحيم: ( قاتل عبد الرحيم إلى جانب الشهداء: محمود الطوالبة وأشرف أبو الهيجا وشادي النوباني، وفي آخر أيام المعركة وبالتحديد في يوم اشتداد القتال في منطقة حيث حوصر هؤلاء الأبطال في أحد المنازل في تلك المنطقة، قامت خلالها الطائرات الصهيونية بقصف المنزل بعدد كبير من القنابل الحارقة والصواريخ مما أدى لاستشهاد كل من محمود طوالبة وعبد الرحيم فرج وشادي النوباني وأشرف أبو الهيجا) ، لقد اختلطت دماء هؤلاء الشهداء في الميدان لترسم لوحة الوحدة الوطنية والإسلامية في ملحمة بطولية لم يشهد لها تاريخ هذا الشعب مثيلا من قبل، هذا الشعب العربي المسلم الذي قدم أبناءه فداء لعيون القدس والأقصى رخيصة.

لقد أثبتت هذه التجربة الفريدة وهذه المعركة البطولية التي خاضها أبناء مخيم جنين البواسل أن الإسلام ما زال حاضر في الميدان، وأنه قادر على المواجهة في المعركة إن أتيح له ذلك، وما الشهيد عبد الرحيم فرج ابن كتائب القسام وابن حماس الأبية إلا نموذجا حيا وعظيما لما وصل له أبناء الشعب الفلسطيني من مجد وعزة، رحمك الله يا شهيدنا البطل عبد الرحيم، هنيئا لك الجنة وهنيئا لوالديك تاج الوقار، وهنيئا لفلسطين أبناء الإسلام العظيم من قساميين وجهاديين و شهداء من أجل الأقصى"."

فضلا عن ذلك، فإن كتائب القسام نشرت صورًا للشهيد بزيه العسكري وبيديه المصحف، متوشحًا شعارها. وبالنسبة لصورة الشهيدين فرج وطوالبة معًا، فليس بالأمر المستهجن أو الغريب، إذ أن التقاط الصور لأفراد مختلفين تنظيميًا أصبح من البديهيات في انتفاضة الأقصى، فهم رفاق في الجهاد والمقاومة، خصوصا في مخيم جنين، التي أنجزت فيها أعظم وحدة ميدانية بين الفصائل المقاتلة، والتي استشهد فيها لاحقًا (ديسمبر 2002) القائد الجديد لكتائب القسام عماد نشرتي، جنبًا إلي جنب مع قائد كتائب شهداء الأقصى علاء الصباغ حيث كانا في منزل واحد، وجميل أن نعرج هنا علي سيرة القائدين النشرتي والصباغ، ليرى الدكتور شلح كيف كانت تسير وتتفاعل المقاومة ميدانيًا في مخيم جنين، وهي عكس ما تدار به إعلاميا. وبالمناسبة، وقبل الحديث عن الشهيدين النشرتي والصباغ، جميل أن نذكر بعضًا من شهادة القائد الأسير في سرايا القدس، المجاهد ثابت المرداوي، أحد قادة ملحمة جنين، فيما يتعلق بالعلاقات الحميمة بين المقاومين من الفصائل المختلفة، إذ يقول المرداوي في شهادته التي نشرتها ووزعها الجهاد في كتيب، وعبر موقعها الإلكتروني كذلك:"كان تشكيل المجموعات قائمًا على أساس العلاقة الشخصية داخل التنظيم الواحد، أو بين أفراد أكثر من تنظيم، طبعًا برضى وموافقة تنظيماتهم. وهؤلاء الأفراد يتمتعون بدرجة عالية من الانسجام فيما بينهم تجعل كلًا منهم على استعداد كبير للتضحية والصمود إلى جانب رفيق سلاحه حتى الرمق الأخير"، فهل بعد هذا الكلام، والذي يأتي من أحد قادة سرايا القدس، تصبح صورة أحد الشهداء من فصيل ما مع شهيد آخر من فصيل آخر، دليلا علي انتماء أحدهما لفصيل الآخر؟!. وبالعودة لسيرة الشهيدين النشرتي و الصباغ، وهما مقاتلان شرسان شاركا ببسالة وتميز شهد لهما به الجميع في صد الاجتياحات المتكررة على مدينة جنين ولا سيما اجتياحي آذار ونيسان عام 2002م إبان حملة"السور الواقي"مع ثلة المقاومين الأخيار من كل الفصائل، كما تشهد لهما مدينة جنين ومخيمها بالاشتباكات العنيفة المباشرة، الليلية منها والنهارية، والتي كانا يخوضانها مع رفاقهما في أزقة جنين حتى أواخر أيامهما، وذلك ضمن ما اصطلح على تسميته بالعمليات المشتركة للخلية المشتركة، والتي ضمت مقاتلين من كتائب القسام وسرايا القدس وكتائب شهداء الأقصى، ومن ضمن عملياتها قتل جندي صهيوني وإصابة آخرين في كمين نصب لدورية في محيط دوار الشهيد يحيى عياش في المدينة في أواخر أيار عام 2002م، إضافة إلى العديد من العمليات الأخرى. لقد شكل القائد القسامي عماد النشرتي مع قائد كتائب شهداء الأقصى علاء الصباغ، مع القيادي في سرايا القدس عبد الله الوحش، والذي اعتقل قبل أقل من شهر من استشهاد البطلين نشرتي والصباغ وحدة متكاملة شكلت مثلث الرعب للصهاينة، وأعطت أنموذجا رائعا للوحدة الميدانية بين المجاهدين. فقبل نحو عام ونصف قام القسامي النشرتي مع الصباغ والقساميين الشهيدين عبد الرزاق استيتي وإبراهيم الفايد بقتل مستوطن في كمين على مداخل جنين، وما هذا إلا نموذجا من نماذج كثيرة لوحدة هؤلاء المجاهدين، كما شاركا ببسالة في معركة جنين شهر نيسان/ ابريل عام 2002م حيث كانت رعاية الله تحفهم مع إخوانهم المجاهدين، ففي أواخر أيام المعركة، وبينما كان الصهاينة يقومون بهدم المنازل بالجرافات ليفسحوا الطريق أمام دباباتهم لاقتحام المخيم هدم منزل كان يتواجد فيه الشهيدين نشرتي والصباغ مع تسعة آخرين من المقاتلين في حارة الحواشين في المخيم، إلا أن قدرة الله حمتهم بأن بقوا تحت أنقاض المنزل الذي بقي جزءا منه متماسكا مما حماهم من عمليات التمشيط التي قام بها الصهاينة ليخرجوا سالمين من تحت الأنقاض بعد انسحاب الصهاينة، ليعيدوا الكرة كُرارا في ساح الوغى، الشهيد عماد نشرتي غدا مطاردا قساميا منذ عام قبل استشهاده، وكان أعز أصدقائه الذين عرفهم في ساح القتال الشهيدين القساميين أشرف أبو الهيجا وعبد الرحيم فرج، حيث بقي شهيدنا محتفظا بقبعة تعود للمجاهد أشرف أبو الهيجا حتى يوم استشهاده. وقد حاول الصهاينة اعتقال القائد نشرتي عدة مرات في الماضي، ففي أحد الاجتياحات لمخيم جنين، والذي استهدف القيادي في سرايا القدس الشهيد إياد صوالحة، اقتحم الصهاينة منزل القائد نشرتي مرتين، وهددوا ذويه بأنهم سيتعرضون للخطر إن لم يقم بتسليم نفسه، كما تعرض ذووه جميعا للاعتقال من أجل الضغط عليه لتسليم نفسه، وهنا تتجلى وحدة الاستهداف ليؤكد لنا العدو بأنه لا يفرق عند استهدافه بين قادة الفصائل، فكل مقاوم مستهدف، أيًا كان فصيله الذي ينتمي إليه.

عماد النشرتي قائد كتائب القسام لقي الله شهيدا في معركة بطولية خاضها مع قائد كتائب شهداء الأقصى علاء الصباغ، فكم معركة خاضاها معا، وكم من صفحة ناصعة سجلت لهما في سجلات الشرف في مخيم جنين، إلا أن مشيئة الله قدرت أنه آن لهما أن يلتحقا بركب طويل من رفاقهما المجاهدين، فهما ليسا من أهل هذه الدنيا، فمكانهما في حواصل طير خضر عند مليك مقتدر.

ويوم استشهاد القائدين النشرتي والصباغ سأل أحد الصحفيين الدكتور الشهيد عبد العزيز الرنتيسي: ألا يبدو أنه من غير الطبيعي أن يتواجد عناصر شهداء الأقصى مع عناصر من كتائب القسام، فأجاب الشهيد الرنتيسي:"بل إن غير الطبيعي أن لا يكونان مع بعضهما البعض".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت