فهرس الكتاب
جنبًا إلى جنب وفي نفس اللحظة مع المجاهد محمود طوالبة، لكن يبدو أن هذه الوحدة التي تتجلى بين القادة الميدانيين لفصائل المقاومة، لم تنسحب على بعض السياسيين الذين تجاهلوا دور المقاومة الحقيقية مثل تجاهل حادثة محاصرة ستة من مقاتلي كتائب القسام، ثالث أيام الاجتياح"5/4/م2002"من قبل الوحدات الخاصة الصهيونية المعززة بقوات جيش الاحتلال، والذين استشهدوا بعد خوضهم اشتباكات ضارية في بلدة طوباس القريبة من المخيم، وهم الشهيد القائد: قيس عدوان أبو جبل (1)
(1) الشهيد القائد قيس عدوان، وهو رئيس سابق لمجلس طلبة جامعة النجاح، كان قائدًا لكتائب القسام على مستوى مدن شمال الضفة الغربية، والتي تضم بالإضافة إلى جنين، نابلس وقلقيلية وطولكرم، وهو الذي من بين يديه خرجت أشهر العمليات الاستشهادية في ظل انتفاضة الأقصى، ولا سيما العمليات التي تمت في"نتانيا"وحيفا أثناء فترات الاجتياح لمدينة جنين، قبل اجتياح المخيم الأخير والذي استشهد بعده، ويكفي أن نقول في حقه، والفضل ما شهدت به الأعداء، ما قاله رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الصهيوني:"لو لم ننجز من حملتنا في الضفة الغربية سوى قتل وتغييب قيس عدوان لكفانا".
قيس، وبشهادة أهالي مخيم جنين حوّل مخيم جنين إلى مركز متقدم لكتائب القسام وباقي فصائل المقاومة، ولم يبخل يومًا بمد المقاومين من الفصائل المختلفة بما كانت تنتجه العقول القسامية التي كانت تواصل الليل بالنهار في سبيل تطوير القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، والتي لم تكن كتائب القسام لتحتكرها يوما، وكان هناك شهداء في الكتائب قضوا بما يسمى"لعبة الموت"وهم يجرون تجربة تلو أخرى. كانت كتائب القسام تجعل من كل ظاهرة تصنعها حالة شعبية عامة، يسير في ركبها كل فصائل المقاومة فيما بعد، إذ لم تمح الذاكرة بعد التعاون الذي كان قائما بين الشهيد القائد محمود طوالبة، قائد سرايا القدس، والمهندسين القساميين نزيه أبو السباع وقيس عدوان في جنين، وذلك عندما كان القائد طوالبة يعمل على تحسين نوعية المتفجرات المستخدمة لدى السرايا، وكان يطلع الشهيد أبو السباع ويستشيره في صناعة المتفجرات، وكان أبو السباع يرشده إلى استخدام مواد معينة والابتعاد عن أخرى، كما لا ينسى التعاون الوثيق الذي قام فترة من الفترات بين القائد قيس عدوان وطوالبة حين طلب طوالبة من قيس تزويده بمادة متفجرة تستخدمها الكتائب ولم تتمكن السرايا من الحصول عليها، فزوده قيس بـ600 كلغ منها، كيف لا وهذا واجب من توحدوا في ساح القتال، ليضربوا أمثلة لمن سيجيء بعدهم كيف تكون أخلاق الرجال.
وقد تنوعت العمليات التي أشرف عليها المهندس قيس عدوان، بدءا بالعمليات الاستشهادية مرورا بعمليات صنع صواريخ القسام مع رفيق دربه سائد عواد الذي اتخذ من مخيم جنين موئلا له بعد أن اشتدت حملات الملاحقة بحقه، وهو الذي صارع المحتل في مخيم بلاطة في نابلس في الاقتحام الأول فأوقع فيهم الإصابات ولم ينسحب من المخيم إلى أن انسحبوا دون النيل منه ومن إخوانه المجاهدين، وبعدها انتقل إلى جنين ليتمترس هناك ويلاقي مهندس عمليات القسام في جنين القائد قيس عدوان ليكلفه القائد عدوان مشاركة خبير المتفجرات القسامي أمجد الفايد تصنيع العبوات الناسفة المطلوبة للمجاهدين للدفاع عن المخيم.
أما على صعيد التصدي للاجتياحات المتكررة لمخيم جنين، والتي بلغت سبعة اجتياحات، فقد شارك قيس وإخوانه في الإعداد والتخطيط لعمليات التصدي وعمليات زرع العبوات وتنظيم المجموعات، حيث عرفته شوارع المخيم وهو يمتشق سلاحه الرشاش من طراز"إم 16"، وتعتبر العمليات الاستشهادية الأخيرة التي نفذت في"نتانيا"وحيفا المعلم الأبرز في سلسلة عمليات قيس عدوان، إذ أن عملية"نتانيا"كانت أضخم العمليات الاستشهادية على الإطلاق، والتي قتل فيها 30 صهيونيا وكان العدد لا يزال في تزايد في حينه، لكثرة تزاحم الحالات الخطرة على الموت، وقد اعترف العدو الصهيوني عقب هاتين العمليتين أن مواد متفجرة جديدة قد تم استعمالها في هذه العمليات تختلف عن سابقاتها، حيث يسجل ذلك كإنجاز هام لقيس ورفاقه. لقد اعتاد قيس أن يوجه الضربات للصهاينة من حيث لم يحتسبوا، إذ أن شادي الطوباسي منفذ عملية حيفا أثناء الاجتياح كان يحمل الجنسية"الإسرائيلية"ويستطيع التنقل والحركة على الحواجز الصهيونية بكل حرية، وعليه فقد رسخ بعملياته حقيقة أن لا مكان آمن للصهاينة، وأن كتائب القسام والمقاومة قادرة على اختراقهم من حيث لم يحتسبوا.
وبما أن كل يوم في حياة هذا القائد كان يعني للصهاينة مزيدا من القتلى في صفوفهم، فإن مماته أيضا لم يكن سهلا كما اعتقد الصهاينة، إذ خاض ورفاقه اشتباكا مسلحا دام اكثر من سبع ساعات باغتوا فيه القوات الخاصة الصهيونية أكثر من مرة على أرض بلدة طوباس يوم الجمعة الموافق 5/4/2002م، حتى أن قوات الاحتلال لم تتجرأ على دخول الشقة التي كانوا يتواجدون بداخلها بعد استشهادهم.