الصفحة 4 من 19

ولن يتسرب اليأس والقنوط في نفوس المسلمين والعرب إلا من مصدر واحد: هو أنهم يصطنعون المنهج الذي فرض عليهم في مقايسات الأمور وتقدير المواقف وإصدار الأحكام: هذا المنهج الذي ركز عليه الغزو الثقافي والتغريب سنوات وسنوات؛ لكي يحله في النفوس وفي المجتمع مكان المنهج الأصيل الذي أقام عليه المسلمون حياتهم كلها، ولعل هذا هو أخطر سلاح تواجه به الأمم، أن يكون عدوها وخصمها قادرًا على أن يخرجها من دائرة فكرها، لتحكم في أمورها منهجًا مغايرًا لا يتصل بمزاجها النفسي ولا بذاتيتها ولا بتكوينها الاجتماعي الذي انبنى عليه كيانها منذ أربعة عشر قرنًا.

ذلك أن الاستعمار والقوى الخارجية الطامعة في مصادر الثروة في عالم الإسلام، كانت تعرف أن هذه الأمة القرآنية لا يمكن أن تؤتى إلا عن طريق تزييف مفاهيمها وتشكيكها في قيمها وإحلال منهج غريب عنها في مقايسات الأمور وتقدير المواقف وإصدار الأحكام، ولقد كان الغرب والاستعمار يعلمان مدى قدرة هذه الأمة استمدادًا من قيمها، على مواجهة أعدائها وعلى الصمود في وجه الغزاة، وقد شكل لها فكرها الإسلامي أسلوبًا حاسمًا في هذا المحال: هو أسلوب الجهاد القادر على رد العدو، والمرابطة الدائمة، والإعداد بالقوة، واليقظة الكاملة، وقد كانت منطقة العالم الإسلامي ولا تزال وستظل مطمعًا للأمم، ولذلك فقد جهزها الفكر الإسلامي بالقدرة الدائمة على الصمود والأهبة: (ود الذين كفروا لو تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة - وخذوا حذركم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت