فهرس الكتاب
تميز المسلمون بمنهج في نقل الروايات والآثار ونقدها لا يوجد عند غيرها من الأمم، حيث يعتمد هذا المنهج على الإسناد، والمقصود بالإسناد هو تلقي الخبر من راو ينقله عمن فوقه وهكذا حتى نصل إلى أول الإسناد، وقد وضع علماء المسلمين شروطًا صارمة للقبول بصحة الخبر اعتمادًا على الإسناد، يقول الإمام عبد الله بن المبارك: (الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء ولكن إذا قيل له: من حدثك؟ بَقِيَ) [1] ، ويقول الحافظ أبا حاتم الرازي كان في مجلس فقال: (لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار نبيهم وأنساب سلفهم إلا في هذه الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح، فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيح والسقيم فروايتهم ذلك-أي الحديث الواهي - للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها) [2] .
ومن الشروط التي وضعها العلماء للقبول بخبر ما أن يكون الراوي عدل ضبط، أي عدل فلا يكذب ولا يأتي بما يقدح في دينه وشهادته، وضبطه فلا يكون سيئ الحفظ أو كثير الخطأ، وأن يكون الراوي قد سمع هذا الخبر من شيخه الذي ينقل عنه الخبر فلا يكون بينهم انقطاع، وبهذه الشروط تميزت الأمة المسلمة بمنهج نقدي تاريخي لا يوجد مثيله لدى الأمم الأخرى لا في الماضي ولا في الحاضر يقول ابن حزم في الفِصَل في الملل والنحل:(نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، ويخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غَضَّا جديدا على قديم الدهور، يدخل في طلبه إلى الآفاق البعيدة مَنْ لا يُحصِي عددَهم إلا خالقُهم، ويواظب على تقييده من كان الناقل قريبا منه.
قد تولى الله حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شئ من النقل إن وقعت لأحدهم ولا يمكن فاسقا أن يقحم كلمة موضوعة ولله تعالى الشكر، وأما مع الإرسال والإعضال - سقط في السند - فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يَقْرُبُون فيه من موسى عليه الصلاة والسلام قُربَنَا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه، وأما النصارى فلبس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولس) [3] .
ولقد مارس المسلمون المنهج النقدي ذاته في نقد الروايات التاريخية والتأكد من صحتها، ومن رجع إلى كتب العلماء الأعلام في ذلك لوجد الأدلة متضافرة على ذلك، فمن قرأ"طبقات ابن سعد"أو"البداية والنهاية"لاستطاع أن يخرج بمنهج نقدي متكامل للروايات التاريخية، أما صحيح البخاري الذي أكثرنا النقول عنه في رسالتنا تلك، فهو في القمة بين كتب المسلمين بل هو أعظم وأصح كتب المسلمين بعد القرآن الكريم يقول العلامة مصطفى صبري: (الطريقة
(1) 1 - رواه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 87) .
(2) 2 - المواهب اللدنية للزرقاني (5/ 454) والأجوبة الفاضلة لعبد الحي اللكنوي ص 24
(3) - الفصل في الملل والنحل. ابن حزم الأندلسي (2/ 81 - 82)