فهرس الكتاب
ثم الأحاديث الواردة، والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحوًا من هذا.
الوجه الثاني: وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم، وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه، أما معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة القرآن الكريم فهي متجددة ومناسبة لأهل كل زمان ومكان، فالقرآن الكريم كما ذكرنا لا تنقضى عجائبه، فإن كانت معجزات الرسل قد انقرضت بانقراضهم، وعُدمت بعدم ذواتها، فإن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع، وآياته تتجدد ولا تضمحل، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول الفصل: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعًا يوم القيامة) .
شبهة وردها:
قد يقول البعض أو يزعم من في قلبه مرض أن هذه المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة التي أوردنا أمثلة منها، إنما اختص المسلمون بنقلها فما الدليل على وقوعها، والإجابة على هذه الشبهة الباطلة، من وجوه:
أولها: لكل قوم تاريخها وأخبارها وتواترها:
مما يجمع عليه العقلاء أن لكل قوم أخبار يتناقلونها عبر الأزمنة وأحداث تنتقل عبر الأجيال جيل بعد جيل، فللأمريكان مثلا أخبارهم وقصصهم، ولكل دولة من دول أوروبا قصصها وتاريخها الذي قد تعتمد في كتابتها على أشخاص مجهولين وأحداث مشكوك في صحتها، فهل يصح أن يقول أحد ما الدليل على صحة هذه الأخبار دون أن يدرسها ويناقشها بعد أن يكون قد ألم بها إلمامًا واسعًا، فإذا كان كذلك مع أخبار الأمم والأقوام والتي لا يهتم عامة الناس بضبط أحداثها ودقة تفاصيلها، فما الشأن برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله إلى قوم عرفوا بقوة الحافظة وسعة الذاكرة ودقة الملاحظة، فإن هذه الأخبار والوقائع التي ذكرنها منها ما هو في القرآن ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة؛ والمتواتر هو ما نقله العدد الكثير من الناس الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهو ما تناقلته الأمة المسلمة جيلًا بعد جيل وخلفًا عن سلف من أخبار معجزات النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يشكك في شهادة هؤلاء الأخيار الأفاضل، أو يزعم أن هؤلاء الأفاضل إنما شهدوا لنبيهم فشهادتهم غير مقبولة، فإن هذا الزعم من شأنه أن يلغى جميع معجزات الأنبياء وجميع ما ورد عن أخبار السابقين لأنه يمكننا أن نقول أن ما ورد عن عيسي عليه السلام أو ورد عن موسي عليه السلام إنما ذكره أصحابهما والمقربون منهما، وكذلك الشأن مع بقية أخبار الأمم السابقة والمعاصرة.
ولا يزال الناس على مر العصور يعتمدون على بعضهم البعض في نقل الأخبار والأحداث ولم يقل أحد بإلغاء هذه الأخبار لأنها تعتمد على نقل أناس قد يخطئون أو يوهمون، غير أننا نقول أنه مع ذلك فإن الإسلام تميز بمنهج في نقل الأخبار ونقد الروايات فاق كل المناهج المعروفة وفاق كل النظريات المعرفية.
الوجه الثاني: منهج نقل الروايات ونقدها لدى المسلمين: