فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 175

أما وفاؤه صلى الله عليه وسلم مع أعدائه فكان ذلك من عظيم أخلاقه رغم ما واجهه من اضطهاد وتعذيب، ولقد رأينا كيف أن هرقل عظيم الروم سأل أبا سفيان بن حرب ولم يكن أسلم يؤمئذ سأله إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدر فكانت إجابة أبي سفيان الصريحة: لا.

وهذا صحابي يتخلف عن غزوة بدر لا لشيء إلا وفاءًا بالعهد، يقول حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: (انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ) [1] .

ولقد شهد له الأعداء بوفائه ومن ذلك أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه إلى العمرة بعد صلح الحديبية مع قريش، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج [2] حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحقوا فقالوا: يا محمد، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب [3] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أدخل عليهم السلاح» ، فقال مكرز: هذا الذي يعرف به البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة [4] .

10 -رحمته صلى الله عليه وسلم:

وصف الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107] ، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم قبل.

فالله عزوجل أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله.

(1) 4 - روام مسلم كتاب الجهاد والسير باب الوفاء بالعهد.

(2) 1 - بطن: وسط، ويأجج مكان بمكة.

(3) 2 - القُرُب: جمع قِراب وهو الغمد الذي يحفظ فيه السيف ونحوه.

(4) 3 - دلائل النبوة للبيهقي (4/ 426) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت