فهرس الكتاب
وأخبر المسيح عن تمجيد الآتي له، فقال:"ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم"ولم يمجد المسيح أحد ظهر بعده كما مجده نبي الإسلام، فقد أثنى عليه، وبيّن فضله على سائر العالمين، في حين أنه لم ينقل لنا أي من أسفار العهد الجديد أن روح القدس أثنى على المسيح أو مجده يوم الخمسين، حين نزل على شكل ألسنة نارية.
وأخبر المسيح أن البارقليط يمكث إلى الأبد، أي دينه وشريعته، بينا نجد أن ما أعطيه التلاميذ من قدرات يوم الخمسين - إن صح - اختفت بوفاتهم، ولم ينقل مثله عن رجالات الكنيسة بعدهم، وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فيمكث إلى الأبد بهديه ورسالته، إذ لا نبي بعده ولا رسالة.
كما أن البارقليط"يذكركم بكل ما قلته لكم"وليس من حاجة بعد رفع عيسي عليه السلام بعشرة أيام إلى مثل هذا التذكير، ولم ينقل العهد الجديد أن روح القدس ذكرهم بشيء، بل إنا نجد كتاباتهم ورسائلهم فيها ما يدل على تقادم الزمن ونسيان الكاتب لبعض التفاصيل التي يذكرها غيره، بينما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما غفلت عنه البشرية من أوامر الله التي أنزلها على أنبيائه ومنهم المسيح عليه السلام.
والمعزي له مهمات لم يقم بها الروح القدس يوم الخمسين فهو"متى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى بر، وعلى دينونة"، ولم يوبخ الروح القدس أحدًا يوم الخمسين، بل هذا هو صنيع رسول الله مع البشرية الكافرة.
ويرى عبد الأحد داود أن التوبيخ على البر قد فسره المسيح بقوله بعده:"وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني"، ومعناه أنه سيوبخ القائلين بصلبه، المنكرين لنجاته من كيد أعدائه، وقد أخبرهم أنه سيطلبونه ولن يجدوه، لأنه سيصعد إلى السماء،"يا أولادي أنا معكم زمانًا قليلًا بعد، ستطلبونني، وكما قلت لليهود حيث أذهب أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا، أقول لكم أنتم الآن" (يوحنا 13/ 32) .
كما سيوبخ النبي الآتي الشيطان ويدينه بما يبثه من هدي ووحي"وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين".
وصفة التوبيخ لا تناسب من سمي بالمعزي، وقيل بأنه جاء إلى التلاميذ يعزيهم بفقد سيدهم ونبيهم، ثم العزاء إنما يكون في المصائب، والمسيح كان يبشرهم بذهابه ومجيء الآتي بعده.
كما أن العزاء إنما يكون حين المصيبة وبعدها بقليل، وليس بعد عشرة أيام (موعد نزول الروح القدس على التلاميذ) ، ثم لماذا لم يقدم المعزي القادم العزاء لأم المسيح، فقد كانت أولى به.
ثم لا يجوز للنصارى أن يعتبروا قتل المسيح على الصليب مصيبة تستوجب العزاء، إذ هو برأيهم سبب الخلاص والسعادة الأبدية للبشرية، فوقوعه فرحة ما بعدها فرحة، وإصرار النصارى على أن التلاميذ احتاجوا لعزاء الروح القدس يبطل عقيدة الفداء والخلاص.
ومن استعراض ما سبق ثبت بأن روح القدس ليس هو البارقليط، فكل صفات البارقليط صفات لنبي يأتي بعد عيسى، وهو النبي الذي بشر به موسى عليه السلام، فالبارقليط"لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به"، وكذا الذي بشر به موسى"أجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به"، وهو وصف النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: 3 - 5] .