فهرس الكتاب
قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟، قال: نعم، والله.
قال: أتعرفه، وتثبّتَّه؟.
قال: نعم.
قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله!! [1] .
9 -نصارى نجران والطمع في الدنيا:
ومن أخبار الضلال عن الحق بسبب الطمع في الدنيا والحرص على المكانة، قصة وفد نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يعرفون نبوته ويقرون برسالته، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إليهم يدعوهم فيه إلى الإسلام، فلما قرأ الأسقف الكتاب فزع به وذعر ذعرًا شديدا، ثم دعا أهل الرأي في نجران فأطلعهم على الكتاب، وتشاوروا فيه، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاختاروا ستين راكبا، منهم أربعة عشر من أشرافهم، يتزعمهم ثلاثة منهم، وهم: العاقب، وكان أمين القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه عبد المسيح، والسيد، وكان عالمهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وكان أسقفهم وحبرهم، وإمامهم وصاحب مراميهم.
وكان أبو حارثة قد شرُف فيهم حتى حسن علمه في دينهم، وكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرفوه وقبلوه وبنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من اجتهاده في دينهم، فلما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران، جلس أبو حارثة على بغلة له موجها إلى المدينة، وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز بن علقمة يُسايره في الطريق، فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الأبعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست!.
فقال: ولم يا أخ؟.
قال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر!!.
قال له كرز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا أن تتبعه؟!!.
قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم: شرفونا وأمرونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو قد فعلت نزعوا منا كل ما ترى، فأضمر الإسلام أخوه كرز بن علقمة، وأسلم بعد ذلك [2] .
ولا ينتهي العجب من نصارى نجران عند هذا الموقف، فقد ذكر ابن إسحاق أن وفد نصارى نَجْران، لما قَدِموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة دخلوا عليه مَسْجِدَه حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرَات: جُبَب وأرْدية، يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعُوهم فصلّوا إلى المشرق.
(1) 4 - ابن هشام في السيرة النبوية (2/ 126) ، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (786) .
(2) 1 - رواه الطبراني في المعجم الأوسط (3906) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: