فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 175

استعملوا معي كل أساليب التعذيب الذي لا تزال آثاره موجودةً على جسدي وهي خير شاهدٍ على صحّة كلامي حتّى أنّه وصلت بهم أخلاقهم اللاإنسانيّة أنهم كانوا يدخلون عصا المقشّة في دبري يوميًّا سبع مرّات في مواقيت صلاة الرهبان لمدّة سبعة وتسعين يومًا، وأمروني بأن أرعى الخنازير.

وبعد ثلاثة أشهر أخذوني إلى كبير الرهبان لتأديبي دينيًا وتقديم النصيحة لي فقال:"يا بنيّ. . إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، اصبر واحتسب، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب"، قلت في نفسي ليس هذا الكلام من الكتاب المقدس ولا من أقوال القديسين، وما زلت في ذهولي بسبب هذا الكلام حتى رأيته يزيدني ذهولًا على ذهول بقوله:"يا بنيّ نصيحتي لك السر والكتمان إلى أن يعلن الحق مهما طال الزمان"تُرى ماذا يعني بهذا الكلام وهو كبير الرهبان.

ولم يطل بي الوقت حتى فهمت تفسير هذا الكلام المحيّر، فقد دخلت عليه ذات صباح لأوقظه فتأخر في فتح الباب، فدفعته ودخلت وكانت المفاجأة الكبرى التي كانت نورًا لهدايتي لهذا الدين الحق دين الوحدانيّة عندما شاهدت رجلًا كبيرًا في السنّ ذا لحية بيضاء وكان في عامه الخامس والستّين وإذا به قائمًا يصلي صلاة المسلمين (صلاة الفجر) .

تسمرتُ في مكاني أمام هذا المشهد الذي أراه ولكنّي انتبهت بسرعة عندما خشيت أن يراه أحد من الرهبان فأغلقت الباب، جاءني بعد ذلك وهو يقول:"يا بنيّ استر عليّ ربّنا يستر عليك"، أنا منذ 23 سنة على هذا الحال: غذائي القرآن وأنيس وحدتي توحيد الرحمن ومؤنس وحشتي عبادة الواحد القهّار الحقّ أحقّ أن يتّبع يا بنيّ.

بعد أيّام صدر أمر البابا برجوعي لكنيستي بعد نقلي من سوهاج إلى أسيوط لكن الأشياء التي حدثت مع سورة الإخلاص وكرسي الاعتراف والراهب المتمسّك بإسلامه تركت في نفسي أثرًا كبيرًا لكن ماذا أفعل وأنا محاصر من الأهل والأقارب والزوجة وممنوع من الخروج من الكنيسة بأمر شنودة.

بعد مرور عام جاءني خطاب والمودع بالملف الخاص بإشهار إسلامي بمديرية أمن الشرقيّة، يأمرني فيه بالذهاب كرئيس للّجنة المغادرة إلى السودان في رحلة تنصيريّة فذهبنا إلى السودان في الأوّل من سبتمبر 1979م وجلسنا به ثلاثة شهور وحسب التعليمات البابويّة بأن كلّ من تقوم اللجنة بتنصيره يسلّم مبلغ 35 ألف جنيه مصريّ بخلاف المساعدات العينيّة فكانت حصيلة الذين غرّرت بهم اللجنة تحت ضغط الحاجة والحرمان خمسة وثلاثين سودانيًّا من منطقة واو في جنوب السودان.

وبعد أن سلّمتُهم أموال المنحة البابويّة اتّصلت بالبابا من مطرانيّة أم درمان فقال:"خذوهم ليروا المقدسات المسيحيّة بمصر (الأديرة) "وتم خروجهم من السودان على أساس عمّال بعقود للعمل بالأديرة لرعي الإبل والغنم والخنازير وتم عمل عقود صوريّة حتّى تتمكّن لجنة التنصير من إخراجهم إلى مصر.

بعد نهاية الرحلة وأثناء رجوعنا بالباخرة (مارينا) في النّيل قمت أتفقّد المتنصرين الجدد وعندما فتحت باب الكابينة 14 بالمفتاح الخاص بالطاقم العامل على الباخرة فوجئت بأن المتنصر الجديد عبد المسيح (وكان اسمه محمّد آدم) يصلّي صلاة المسلمين.

تحدّثت إليه فوجدته متمسّكًا بعقيدته الإسلاميّة فلم يغريه المال ولم يؤثّر فيه بريق الدنيا الزائل، خرجت وبعد حوالي الساعة أرسلت له أحد المنصّرين فحضر لي بالجناح رقم 3 وبعد أن خرج المنصّر قلت له:"يا عبد المسيح لماذا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت