فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 175

وأثناء ركوبي في الحافلة بملابسي الكهنوتية وصليب يزن ربع كيلو من الذهب الخالص وعصاي الكرير صعد صبيّ في الحادية عشر من عمره يبيع كتيبات صغيرة فوزعها على كلّ الركّاب ماعدا أنا، وهنا صار في نفسي هاجس لم كل الركاب إلا أنا، فانتظرته حتّى انتهى من التوزيع والجمع فباع ما باع وجمع الباقي.

قلت له:"يا بنيّ لماذا أعطيت الجميع بالحافلة إلا أنا"، فقال:"لا يا أبونا أنت قسيس"، وهنا شعرت وكأنّني لست أهلًا لحمل هذه الكتيّبات مع صغر حجمها (لا يمسّه إلاّ المطهرون) .

ألححت عليه ليبيعني منهم فقال:"لا دي (هذه) كتب إسلاميّة"ونزل، وبنزول هذا الصّبي من الحافلة شعرت وكأنّني جوعان وفي هذه الكتب شبعي وكأنّني عطشان وفيها شربي، نزلت خلفه فجرى خائفًا منّي فنسيت من أنا وجريت وراءه حتّى حصلت على كتابين.

عندما وصلت إلى الكنيسة الكبرى بالعبّاسيّة (الكاتدرائيّة المرقسيّة) ودخلت إلى غرفة النّوم المخصّصة بالمدعوّين رسميًّا كنت مرهقًا من السفر، ولكن عندما أخرجت أحد الكتابين وهو (جزء عم) وفتحته وقع بصري على سورة الإخلاص فأيقظت عقلي وهزت كياني، بدأت أرددها حتى حفظتها وكنت أجد في قراءتها راحة نفسية واطمئنانًا قلبيًا وسعادة روحية، وبينا أنا كذلك إذ دخل عليّ أحد القساوسة وناداني:"أبونا إسحاق"، فخرجت وأنا أصيح في وجهه (قل هو الله أحد) دون شعور منّي.

بعد ذلك ذهبت إلى الإسكندريّة لإحياء أسبوع مولد العذراء، وفي يوم الأحد أثناء صلاة القداس المعتاد وفي فترة الراحة ذهبت إلى كرسي الاعتراف لكي أسمع اعترافات الشعب الجاهل الذي يؤمن بأن القسيس بيده غفران الخطايا.

جاءتني امرأة تعض أصابع الندم، قالت:"إني انحرفت ثلاث مرات وأنا أمام قداستك الآن أعترف لك رجاء أن تغفر لي وأعاهدك ألا أعود لذلك أبدا"، ومن العادة المتبعة أن يقوم الكاهن برفع الصليب في وجه المعترف ويغفر له خطاياه.

وما كدت أرفع الصليب لأغفر لها حتى وقع ذهني على العبارة القرآنية الجميلة (قل هو الله أحد) فعجز لساني عن النطق وبكيت بكاءً حارًّا وقلت:"هذه جاءت لتنال غفران خطاياها منّي فمن يغفر لي خطاياي يوم الحساب والعقاب."

هنا أدركت أن هناك كبير أكبر من كل كبير، إله واحدٌ لا معبود سواه. ذهبت على الفور للقاء الأسقف وقلت له:"أنا أغفر الخطايا لعامة الناس فمن يغفر لي خطاياي"، فأجاب دون اكتراث:"البابا"، فسألته:"ومن يغفر للبابا"، فانتفض جسمه ووقف صارخًا وقال:"أنت قسيس مجنون واللي أمر بتنصيبك مجنون حتّى وإن كان البابا لأنّنا قلنا له لا تنصّبه لئلاّ يفسد الشعب بإسلاميّاته وفكره المنحل"؛ على إثر ذلك صدر قرار البابا بحبسي في دير (ماري مينا) بوادي النطرون.

أخذوني معصوب العينين وهناك استقبلني الرهبان استقبالًا عجيبًا كادوا لي فيه صنوف العذاب علمًا بأنّني حتّى تلك اللحظة لم أسلم، كل منهم يحمل عصا يضربني بها وهو يقول:"هذا ما يصنع ببائع دينه وكنيسته".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت