فهرس الكتاب
إن إحدى أهم أوجه إعجاز القرآن الكريم، أن معجزته متجددة وعجائبه لا تنقض، فالقرآن معجزة باقية على طول الزمان، من حين جاء به الرسول تُتْلى آيات التحدّي به، ويُتلى قوله: (فَليَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور:34] ، و (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ) [هود:13] ، و (بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) [يونس:38] .
وإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا في أول الأمر، وقطعه بذلك، مع علمه بكثرة الخلق، دليلٌ على أنّه كان خارقًا يعجز الثقلين عن معارضته، وهذا لا يكون لغير الأنبياء.
وها هو القرآن الكريم مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتابًا يقرأه الناس، وقال إنّه مثله، وهذا يعرفه كلّ أحدٍ.
والقرآن ممّا يعلم الناس؛ عربهم، وعجمهم أنّه لم يُوجد له نظيرٌ، مع حرص العرب، وغير العرب على معارضته؛ فلفظه آية، ونظمه آية، وإخباره بالغيوب آية، وأمره ونهيه آية، ووعده ووعيده آية، وجلالته وعظمته وسلطانه على القلوب آية، وإذا ترجم بغير العربي كانت معانيه آية. كلّ ذلك لا يوجد له نظيرٌ في العالم.
ولعل ما يندرج تحت إعجاز القرآن الكريم الباقي المتجدد، ما يتم كشفه في العصر الحديث من علوم يثبت أن القرآن الكريم قد أشار إليها قبل عدة قرون، وقد أفاض العلماء والأئمة في الحديث عن هذا الأمر وأوردوا من الأمثلة الكثير، غير أننا نكتفي بمثال واحد وآية واحدة جمعت بين الإعجاز الغيبي والإعجاز العلمي.
يقول الله عزوجل: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) [الروم: 1 - 4] .
إن الله عزوجل يقرر في هذه الآيات التي نزلت بعد هزيمة الروم أمام الفرس أن العاقبة سوف تكون للروم مرة أخرى بعد بضع سنين في إعجاز غيبي تحقق كما وعد الله عزوجل به، يقول الحافظ ابن كثير:"نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، واضطر هرقل مَلك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل، كما سيأتي."
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ} قال: غُلبت وغَلَبت، قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك لأبي بكر،، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما إنهم سيغلبون"فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ألا جعلتها إلى دُون"أراه قال:"العشر"."قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر. ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: {الم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} ."