فهرس الكتاب
هكذا رواه [1] الترمذي والنسائي جميعا، عن الحسين بن حُرَيْث، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد الثوري به، وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان، عن حبيب" [2] ."
وجاء في أطلس تاريخ الإسلام للأستاذ الفاضل حسين مؤنس:"وعندما تولى هرقل عرش الروم سنة 610 م (وهي سنة البعثة المحمدية) كان الفرس قد اجتاحوا بلاد الشام ومصر وهزموا البيزنطيين سنة 613 م عند أنطاكية , واستولوا على فلسطين والقدس سنة 614 م , وغزوا مصر ودخلوا الإسكندرية سنة 618 م أو 619 م , وبعد أن أقام هرقل دولته بدأ قتال الفرس سنة 622 م , وفي سنة 627 م أنزل بهم هزيمة قاصمة قرب نينوى, واسترد منهم أراضي الدولة البيزنطية في أرمينيا والشام وفلسطين ومصر , وفي سنة 630 م استعاد بيت المقدس."
ومن استقراء كل هذه التواريخ السابقة يتضح أن هزيمة الروم الحقيقية على أيدي جيوش الفرس كانت في حدود سنة 614 م إلى 615 م , وأن استعادتهم النصر على الفرس كانت في حدود سنة 624 م , واستمر تقدم الروم على أرض الفرس حتى تم لهم استعادة بيت المقدس"."
لقد تحقق ما وعد به الله عزوجل في هذه الآيات من انتصار الروم، وفرح المؤمنون وازداد فرحهم بعد ذلك بعد أن انتصروا على المشركين في بدر، غير أن ما معنى قوله تعالى:"أدني الأرض"رأى السابقون من العلماء والمفسرين أن كلمة"أدنى الأرض"تعنى الأرض الأقرب إلى الشام، وهو تفسير صحيح تقبله اللغة وتؤيده ما وصلوا إليه من علم في ذاك الزمان، غير أن العلم الحديث أثبت أن القرآن الكريم سبق العصر الحديث بكشف علمي لم يظهر إلا حديثًا.
يقول الدكتور زغلول النجار في مقال له عن هذه المعجزة: أكدت الدراسات الحديثة أن منطقة حوض البحر الميت , بالاضافة إلى كونها أقرب الأراضي التي كان الروم يحتلونها إلى الجزيرة العربية هي أيضا أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا , حيث يصل منسوب سطح الأرض فيها إلى حوالي الأربعمائة متر تحت متوسط مستوى سطح البحر , وأن هذه المنطقة كانت من مناطق الصراع بين إمبراطوريتي الفرس والروم , وأن المعركة الحاسمة التي أظهرت جيوش الفرس على جيوش إمبراطورية روما الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية) لابد أنها وقعت في حوض البحرالميت , وأن الوصف بـ (أَدْنَى الأَرْضِ) هنا كما يعني أقربها للجزيرة العربية , يعني أيضًا أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا , وهذه الإشارة القرآنية العابرة تعتبر من السبق العلمي في كتاب الله , لأن أحدًا لم يكن يعلم هذه الحقيقة في زمن الوحي بالقرآن الكريم , ولا لقرون متطاولة من بعده.
ويضيف الدكتور النجار:"ثبت علميًا بقياساتٍ عديدةٍ أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضًا هو غور البحر الميت , ويقع البحر الميت في أكثر أجزاء الغور انخفاضًا , حيث يصل مستوى منسوب سطحه إلى حوالي أربعمائة متر تحت مستوى سطح البحر , ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلى قرابة الثمانمائة متر تحت مستوى سطح البحر , وهو بحيرة داخلية بمعنى أن قاعها يعتبر في الحقيقة جزءًا من اليابسة."
وغور البحر الميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلى بحيرة طبريا , فالحدود الجنوبية لتركيا , مرورًا بالبحر الأحمر , وخليج العقبة , ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي , وبحر
(1) 1 - روى هذا الحديث المسند (1/ 276) وسنن الترمذي برقم (3193) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11389) ، وقال شعيب الأرناوؤط في تعليقه على المسند:"إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(2) 2 - تفسير ابن كثير 6/ 162.