فهرس الكتاب
... ولقد أنشبت الصهيونية مخالبها في ذلك العهد، فتضاعف أمر الهجرة اليهودية، وتكشفت نوايا العدوان الصهيوني، مهددا العرب بالجلاء والفناء، وبقي موسى اليهودي وزوجته وأولادهما في أرغد عيش وأهنأ حال في عكا، المدينة العربية والثغر الإسلامي العظيم.
... وكانت في عكا أسرة يهودية صغيرة بقيت على دينها طيلة حياتها، وكان رب هذه الأسرة"عطارا"له دكان في وسط المدينة، وكان له ولد اسمه"يوسف"وبنت اسمها"تريز"ولم يكن يميزهما عن أبناء عكا سوى لونهما الأشقر وشعرهما الأحمر.
... وكان يوسف صديقا لأبناء عمي، وكانت تريز صديقة لشقيقاتي، والواقع أن الناس كانوا يحبونهما للطفهما ووداعتهما، ولم يكن أحد يحقد عليهما أو ينظر إليهما نظرة خاصة.
... وكان يوسف يلبس الطربوش والملابس الأوروبية شأن المتعلمين من أبناء عكا، وتريز كانت تلبس الملابس المحتشمة، من غير حجاب كشأن السيدات المسيحيات.. وإن كانت المسيحيات المعمرات كن يرتدين الحجاب، تماما كالمسلمات، إلاّ أن"ملايتهن"كانت بيضاء لا سوداء..
... ولقد عرفت كلا من يوسف وتريز لسنين طويلة صبيا وشابا ثم رجلا، وأحسب أن هذه الفترة قد امتدت حتى عام 1948 يوم خرج أهل عكا من مدينتهم الغالية.
... ولقد وقعت بين العرب واليهود مصادمات دامية خلال ثلاثين عاما، سقط القتلى خلالها بالآلاف.