الصفحة 12 من 907

... وها أنا أجلس الآن في مكتبي، فأتوغل على مدى عشرات السنين، في أخاديد ذاكرتي، وسراديب طفولتي الباكرة، فأرى وكأني أرى الآن، وأسمع وكأني أسمع الآن..

... أرى العجائز الطيبات، وأنا بينهن، يجلسن القرفصاء، بملابسهن المهلهلة حول"الطبلية"المستديرة الكبيرة، وهنّ ينتقين القمح من حب"الزوان"قبل إرساله إلى المطحنة.. ثم أستمع إليهن وهن يتحدثن أحاديث الفراغ عن شؤون المدينة وأهلها، رجالها ونسائها ... هذا تزوج، وتلك طلقت.. وهذا مات في سنة الكوليرا.. وذاك ولد سنة الحرية...

... ومع الأيام تداولت"سنة الحرية"على سمعي، فما جرى حوار في بيتنا عن أعمار البنات والصبيان، إلاّ والعجائز الطيبات يحتكمن إلى"سنة الحرية"يؤكدن أن"فاطمة"ولدت قبل الحرية بعام، وأن"محمدًا"ولد بعد الحرية بعامين..

... ومع الأيام كذلك تداولت سمعي إلى جانب"الحرية"تعابير أخرى:"المشروطية"و"الدستور"و"حزب الإتحاد والترقي"، و"حزب الائتلاف". وقد زاد من اهتمامي بهذه التعابير الغريبة على صباي، أنني ولدت في سنة الحرية (1908) كما تحدثت لي العجائز الطيبات عن الأيام الخوالي..

... وتوالت الأيام بعد ذلك، ودارت في"ديوان"بيتنا الأحاديث، وكلها تدور حول هذه التعابير، فأخذت أفهم معناها ومداها..

... وبدأت يومئذ أعرف التاريخ بالرواية والسماع، قبل أن أعرفه بالدرس والاطلاع - تماما كما كان يفعل الأسلاف من الآباء والأجداد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت