فهرس الكتاب
... وليس بعيدا أن يكون ذلك الضابط عربيا من دمشق أو القدس أو بغداد أو بيروت، ويقينا أن الجنود كلهم عرب أقحاح. ولكن كان عليهم أن يتكلموا التركية، ضباطهم على الأقل !! وأذكر ذات مساء أنني كنت على مقربة من معسكر الجنود قريبا من سراي الحكومة، وكان الجنود ملتفين حول قِدر كبير يغرفون الطعام، فناولني أحد الجنود، وقد رآني شاخصا في القدر، طبقا مملوءا بالبرغل المطبوخ، فحملته إلى أمي وأكلنا منه، وكان طعمه كريها، وأحسب أننا كنا في فاقة وضائقة فأكلنا وحمدنا الله ... ولعاب الفقراء يجعل كل طعام مريئا وكل شراب هنيئا..
... وكنت أحسّ الفقر في بيتنا، كما كنت أحسه في تصرفات أمي وفي حركاتها وسكناتها.
... فأمي كانت مطلقة ثم أصبحت أرملة، وهذا طفلها معها في هذه الغرفة الفقيرة في الحي الفقير في المدينة، وكنت أرافق أمي في زياراتها لزوجات الموظفين الأتراك، وأستمع إلى حديثها بالتركية، وهي لغتي الأولى التي أخذتها عنها، وكان حديثها شاكيا منكسرا.
... وكنت أنظر في هذه البيوت فأرى آثار النعمة بادية، الفرش والأسرة والوسائد والستائر والكراسي والطاولات والسجاجيد، وبيتنا خال من ذلك، وكل ما عندنا فراشنا الذي نمده على الأرض ليلا وننام، وزير ماء من الفخار، وبعض أطباق الطعام، وليس فيها شيء من نعم الله إلاّ النظافة!
... ولست أعي ماذا كان طعامي وكسائي، ولكني أعي أنني في العيد كنت ألبس بدلة وحذاء، ولعل أمي كانت تقتر من هنا وتدبر من هناك حتى يفرح طفلها يوما واحدا في العام، وهو يوم العيد.