الصفحة 42 من 907

... ولم أكن فقيرا في طفولتي فحسب، بل كنت كذلك"شقيا"ولعلهما مترابطان مترادفان، وأذكر أنني هربت مرة إلى"الطابون"المجاور لبيتنا وقضيت الليلة كلها أو معظمها مع الرماد والدخان، وأمي المطلقة الأرملة تكاد أن تصبح ثكلى، فقد كان من اليسير أن أموت مختنقا في الطابون، وتموت أمي من بعدي تخنقها الأحزان والأشجان.

... وأذكر ذات مرة أنني كنت قريبا من جامع المدينة أسير في الشوارع على غير هدى، و إذا بي"أغوص"في"مزبلة"إلى ركبتي، فما خرجت منها إلاّ وقدماي ملتهبتان بالحروق، ويبدو أن المزبلة كانت قد أحرقت منذ أيام، وكان قدري أن أغوص فيها وهي جمر يعلوه الرماد.

... ومرة أخرى قادتني"شقاوتي"إلى الحواكير في ضاحية المدينة، وقضيت يومي في الشمس اللاهبة بحثا عن حبة تين أو صبر، فعدت إلى أمي مريضا لأزيد في متاعبها وآلامها، فناولتني مسحوقا أبيض ملفوفا في ورق السيجارة، وكان طعمه شديد المرارة، لعله مسحوق الكينا.

... وكانت أمي بادية الحزن والانكسار، فلقد كنت أستيقظ في الليل وأراها جالسة في الفراش تدخن، وترسل مع دخانها الزفرات والحسرات.

... وأذكر أنني رافقتها في عصر يوم من الأيام إلى المقبرة، والمقبرة قائمة على رابية تشرف على محطة سكة الحديد، وجلست أمي إلى جوار أحد القبور وأخذت تبكي وتنتحب، و أخذت كذلك ترسل ترتيلا حزينا لا أدري إذا كان غناء أو قرآنا!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت