فهرس الكتاب
... وما عرفت من هذا الراقد في القبر، وأحسب أنه عمي سليم، خرجت إليه أمي تبكيه، وتبكي معه حظها التعيس، وقد حملتها الأقدار من بلاد الترك إلى هذه المدينة النائية.
... وفيما يشبه القبور، أذكر أنني في ذلك الوقت من طفولتي حيث تختلط الذكريات بعضها ببعض، أذكر أنني صحبت والدتي إلى قرية قريبة من طولكرم اسمها"إرتاح"تناقل الناس جيلا بعد جيل أن سيدنا يعقوب قد"ارتاح"فيها ...
... وكل ما أذكره أننا نزلنا مع والدتي وبعض السيدات المحجبات في درج إلى قبو تحت الأرض تخيم عليه الظلمة والسكينة والرهبة والبرودة في آن واحد، وقد أخذت أمي تدعو وتتضرع، وأحسب أن العجائز في طولكرم قد أخبرنها أن زيارة هذا المقام والدعاء فيه، تجلب الفرج وتدفع الكرب، وما أكثر ما كانت تعانيه أمي من الكرب، شأن الملايين من الأمهات في دنيا العرب والإسلام، كنّ يمرغن جباههن على عتبات الأضرحة والمقامات!
... ولا أدري كم مضى بعد ذلك من الزمن، و إذا بأمي طريحة الفراش ينتابها مرض شديد، ينهكها القيء والإعياء، وكان حديث الجيران أنها مصابة"بالكوليرا"وكنت أنام في غرفتها وأنا أرى أنها تزداد ضعفا ورهقا..
... وأذكر أنني ذهبت إلى"الفرن"في وسط المدينة وأنا أحمل على رأسي طبقا من الأرغفة ليخبز، وجلست على رصيف الطريق أنتظر الفران أن ينتهي، وجال في خاطري أن أمي ستموت، وحاولت أن أبكي وأن أعصر الدموع من عيني، ولكني ما بكيت، فعدت إلى البيت وعلى رأسي طبق