الصفحة 44 من 907

الخبز، حارا لاهبا، وفي قلبي دموع لم تستطع أن تجد طريقها إلى عيني الجاحظتين ...

... وقضت أمي يومين أو ثلاثة تصارع المرض، وفي عصر يوم لا أنساه، توفيت أمي إلى رحمة الله، طلبت شربة ماء، وما أن جاءت الجارة بقدح الماء، حتى كانت قد فارقت الحياة ...

... ويقينا كانت"السكرة"الكبرى بين سكرات الموت وأمي تحتضر، سؤال تلجلج في صدرها وذهب معها إلى قبرها، ماذا عسى أن يكون مصير"أحمد"، هذا الطفل اليتيم، بعيدا عن أهله وذويه، بل بعيدا عن أبيه.

... وأذكر أن أمي حملت إلى المقبرة ودفنت في طرف من أطرافها، فالفقراء يدفنون في جنبات المقابر وفي ذلك المكان أحرق فراش أمي وغادرنا المقبرة والنار مشتعلة، وفي فؤادي ما هو أشدّ حرقة ولظى، فقد أصبحت وحيدا، طفلا صغيرا في السابعة من العمر، أنتظر مشيئة القدر!!

... وقضيت أياما في بيت الجيران، أنام مع أولادهم، وآكل وألعب، وأذكر أن عيد الأضحى أقبل علينا بعد فترة وجيزة من وفاة أمي.

... وفي ضحى ذلك اليوم رأيت نفسي على سطح بيتنا وأنا بملابس العيد، وكان النهار على غير هيئته، والشمس في غير طلعتها، كل شيء أجمل وأبهى، تغير كل ما في الكون إلى ما هو أكمل وأتم، إنه يوم العيد، ولكن كنت حزينا منقبضا: لقد ماتت أمي..

... وبعد بضعة أيام جاء موظفو الحكومة إلى بيتنا فأخذوني معهم، حملوا من بيتنا صندوقا من الخشب المطعم بالمعدن، وانتهى بنا المشي إلى ساحة صغيرة، إلى جوار الشارع في وسط المدينة، فوقفنا، ووضع الصندوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت