الصفحة 45 من 907

على الأرض، وفتحه الموظفون وأخذوا يخرجون منه ملابس أمي، ومعها قطع من القماش، وراحوا يبيعونها للمارة، وأحسست أن أمي أصبحت تباع في السوق!!

... وكانت الملابس تلتقط من الصندوق قطعة قطعة، فتعرض وتباع، ولم أكن أعلم ما يجري، ولماذا يجري، ولكني علمت فيما بعد أن مخلفات المتوفى، إذا ترك قاصرين، تباع بالمزاد العلني، ويودع ثمنها في صندوق الأيتام، تنمو وتربو، وتدفع للقاصر حين يبلغ رشده.

... وهكذا بيعت ثياب أمي واشتري بها، على ما قيل لي، سندات في البنك العثماني، وكان أن ذهبت الدولة العثمانية وذهب معها مال اليتيم ...

... وقضيت أياما بعدها وأنا أسمع الجيران، وهم يقولون لي، أن لي أبا عظيما في عكا، وأن أهلي على ثراء كبير، وحياة عظيمة وجاه عظيم، وأن عكا مدينة أكبر من طولكرم، وفيها مدارس كثيرة، وأنني سأسافر قريبا إلى أهلي وأبي، وأنني سأعيش حياة سعيدة، وسأتعلم، وسأخلص من الفقر إلى النعيم.

... كانت صورا جميلة رائعة رسمها الجيران في نفسي. وأنا اتطلع للسفر إلى عكا. حيث أهلي وأبي، والحياة الناعمة ... وقضيت في بيت الجيران أياما تتنازعني مشاعر الحزن والفرح، حزينا لفراق أمي، فرحا للقاء أبي، وأنا اتطلع إلى مستقبل غامض، وكنت مع الحرب العالمية الأولى مثل غيري سواء بسواء، لا ندري ما العاقبة وما المصير.

وبت أستعجل الأيام لأسافر حيث الأماني والآمال ... حيث أبي وأهلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت