فهرس الكتاب
ليلة في مستعمرة يهودية
... في ضحى يوم من أيام الصيف، لعله صيف سنة 1916، كنت على ظهر حصان، رديفا وراء"محمود"ابن الجيران، يطارد بي في طرقات مدينة طولكرم فنجتازها إلى سهلها الغربي، تاركا المدينة التي نشأت فيها فقيرا محروما، مخلفا فيها أعزّ ما في دنياي، أمي وعمي، ثاويين في المقبرة - قبر في الغرب، وقبر في الشرق ...
... ومضى محمود يطارد بحصانه، ووراءنا سحابة متعرجة من الغبار تحاول اللحاق بنا، وكنت ألف ذراعي حول محمود، وأنا أصعد وأهوي على ظهر الحصان، وفي حضني صرة صغيرة فيها بعض ملابسي، ولو أنها وقعت مني ونحن في هذا الطراد، لما فقدت شيئا، فهي على عكس المثل: ثقيلة الحمل عديمة الثمن!!
... وظل محمود يطارد بحصانه، وكوفيته تتطاير في الهواء وأنا أحسب أن طولكرم لم تخرج مثله فارسا، ولم تخرج مثل حصانه جوادا، ذلك كان شعوري وكفى ...
... ووصلنا إلى قرية قاقون، وأنزلني محمود عن الحصان، ولا أكاد أستطيع الوقوف، فقد تخلخل جسدي، فلم يكن تحتي سرج يقي عظامي الناحلة وهي تتلوى وتتأوه على ظهر الحصان.