الصفحة 48 من 907

الأقدار فنشأوا في القرية وأصبحوا فلاحين، ولعلهم، فيما بعد، صاروا نازحين لاجئين، ومضيت أنا في طريقي إلى قدر آخر لأصبح إنسانا آخر!!

وواصلت العربة سيرها على الطريق الترابي شمالا في اتجاه حيفا بين السهول والمروج، وكان سائق العربة رجلا بدينا يلبس الجزمة حتى ركبته، وهو من أهالي حيفا، وفي ذاكرتي حتى الآن أن لقبه"زكو".

وكانت العربة يجرها حصانان، لها سقف من القماش ولها صفان من المقاعد، الأول يجلس عليه السائق والثاني يجلس عليه الركاب، مفروش بالجلد، ولم يكن في العربة إلاّ راكب واحد اسمه الدكتور زعرب من أهالي حيفا، وكان في مقتبل العمر، أزال عني وحشتي ووحدتي بأنسه ولطفه، وكان إلى جانبه علبة مملوءة بالحلوى يتناول منها حينا بعد حين، ولا يأكل حتى آكل معه، وكان ذلك هو أول عهدي بالحلوى، فلا أذكر أني تذوقتها قبل ذلك، وخطر لي أن مثل هذه الحلوى لا يأكلها إلاّ الموسرون من أهل المدينة، وأنىًّ لطفل فقير مثلي يعيش في بلد صغير مثل طولكرم أن يتذوقها، أو أن يراها!!

وفي الطريق عرف الدكتور زعرب شيئا من قصتي، لقد عرف أنني ابن الشيخ أسعد الشقيري من كبار رجال الدولة العثمانية في ذلك العهد، وإنيّ لأذكر أنني أخرجت من جيبي"ورقة نفوس"وهي أشبه ما تكون بشهادة الميلاد أو الهوية، مكتوبة باللغة التركية، وعلى رأسها"الطغراء الهمايونية [1] "الصادرة باسم السلطان محمد رشاد، مكتوبا فيها اسمي واسم والدي، وقد

(1) * الطغراء الهمايونية: خاتم السلطان العثماني أو الترويسة الرسمية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت