فهرس الكتاب
يقطعها إلاّ صهيل الخيل حينا بعد حين، والدكتور زعرب يسليني بالحلوى تارة وبحديثه مرة أخرى.
... وآذنت الشمس بالمغيب و إذ بنا نصل إلى قرية"زمارين"وهي مستعمرة يهودية، فوقفت العربة عند مبنى ذي طابقين، أظن أنه فندق أو خان، وحط السائق"زكو"رحاله، وحل الخيول من عقالها، فأطعمها وسقاها، وذهب الدكتور زعرب إلى حيث لا أدري، وبقيت أنا في العربة لا أدري ماذا أفعل!!
... وحين أقبل الليل ألقيت بجسدي على المقعد الخلفي، ونمت ليلة هادئة لم يكن يقطعها إلاّ شخير الخيل، ونام السائق على المقعد الأمامي، وكان قدري أن أنام في مستعمرة يهودية لأول مرة في حياتي، وجاء الصراع مع الصهيونية عبر جيلنا، ليجعلها آخر مرة أدخل فيها مستعمرة يهودية.
... ونهضت في الصباح المبكر على مشهد أذهلني، كدت أطير له فرحا، ذلك أنني رأيت سيدة تصعد سلم الفندق الذي أنخنا بجواره، ووثب فؤادي وبصري إليها: ما أشبه هذه السيدة بأمي، هذه طلعتها وهذه مشيتها، هذا هو طولها، وهذا هو وجهها، كل شيء فيها هو أمي، لولا أن هذه السيدة تسير من غير حجاب، والعهد بأمي أنها محجبة دائما إلاّ حين تكون في البيت.
... و أخذت السيدة تصعد السلم درجة درجة، وقلبي يتابعها ويتأملها ويتفحصها، و أنا أتمنى أن أقفز إليها وألقي بنفسي بين أقدامها وأضمها وأشمها، كانت تلك مشاعري وخواطري، تجددت معها فجيعتي بوفاة أمي، ودخلت السيدة إلى المنزل، وكان المشهد كله كأنه رؤيا في اليقظة، في