فهرس الكتاب
النهار، وسرعان ما أفقت على الحقيقة الأبدية، أن الأم في هذه الدنيا واحدة، ولا ثاني لها، مهما تشابه الناس في اليقظة أو في المنام ...
... وعاد الدكتور زعرب إلى العربة، وأعد"زكو"العربة للسفر، وخرجنا من مستعمرة زمارين لأشاهد عربات زراعية طويلة، فيها المعاول والفؤوس والأدوات الزراعية، يسوقها يهود بعضهم طاعن في السن، يلبسون الملابس الأوروبية والقبعات على رؤوسهم، لقد كانوا فلاحين مزارعين بملابس أجنبية، وكان عهدي بالفلاحين أنهم يلبسون"القمباز" [1] والكوفية والعقال ...
... ولكن هذه الفوارق لم تثر انتباهي ولا استغرابي، كما أن وجود هذه المستعمرة اليهودية بين القرى العربية لم تكن له معان خاصة في نفسي، وكل ما في الأمر أن هؤلاء الناس يهود، وأن هذه القرية مستعمرة يهودية، ولست أذكر أن الدكتور زعرب قد تحدث شيئا عن المستعمرة اليهودية ولعل أحدا لم يكن يدري أن القدر يخبئ في ثناياه صراعا رهيبا بين العرب واليهود، وأنه سيكون لي دور في هذا الصراع.
... و أخذت العربة طريقها على الدرب الترابي متعرجا مرة ومستقيما أخرى، والسائق يلتمس المسارب الصلبة مبتعدا عن الجهات المتربة ليخفف عن الخيل وعثاء السفر، حتى إذا كانت الظهيرة وصلنا حيفا، ولشد ما كانت دهشتي.
... لم تكن حيفا كبيرة في ذلك العهد، ولكنني أخذت بشوارعها المبلطة، وأين منها شوارع طولكرم بترابها ووحلها، وراحت العربة تسير بين البيوت
(1) * القمباز:هو اللباس المعتاد للرجال من الفلاحين ويسمى أيضًا: هِدِمْ وقطنية وكبِر.