فهرس الكتاب
المساعي الحميدة مع خالتي
... وفي الصباح غادرت حيفا وقد سبقتني أحلامي وآمالي إلى عكا، ورأيت نفسي أركب حمارا، وأنا أشدّ ذراعي حول وسط رجل من آل الزفري من حيفا، ولا أعرف عنه شيئا غير ذلك.
... ومضينا نحن الثلاثة، أنا والزفري والحمار، على ذلك الخليج الفاتن بين حيفا وعكا، على ميمنتنا كثبان الرمال النقية البيضاء، تنعكس عليها أشعة الشمس، فتغدو كأنها روابٍ من الفضة، انبثق من آكامها نخيل هنا"وطرفة"هناك، وعلى مسيرتنا البحر الرحب الفسيح، بلونه الأزرق، والأمواج الهادئة تتكسر بأناقة ورشاقة على الشاطئ فتؤنس المسافرين في وحشتهم ووحدتهم.
... وكان على الحمار أو سائق الحمار - لا أدري - أن يتخير سيره على الشاطئ، يلامس في حوافره زبد الموج المتكسر على الرمال، ثم ينحرف يمينا دون أن يغوص في الكثبان.
... ولم يكن الزفري مشفقا عليًّ في هذه الرحلة فقد كان مستريحا على السرج، وأخذ يهمز الحمار يحثه على الركض، غير مبال بالرديف الصغير الذي وراءه"ينطنط"على لحمه وعظامه.
... ولكني كنت مأخوذا بروعة البحر وجماله، وأنا أراه لأول مرة في حياتي، فنسيت الساعات الأربع التي انقضت على الطريق ونسيت معها المشقة والعناء..