الصفحة 55 من 907

... ووصلنا عكا، فلم تستوقفني أسوارها وقلاعها وحصونها وأبوابها، فقد كنت في شغل شاغل عن ذلك، تواقا إلى لقاء أهلي، وكل همي أن أصل إلى البيت، لآكل أحسن الطعام وألبس أحسن الكساء وأنعم بالحياة الرغيدة التي طالما حدثني عنها الجيران في طولكرم.

... وسار بنا الحمار في الطريق لا يدله أحد، فهو طريق واحد، لا يضل فيه الإنسان ولا الحيوان، حتى إذا وصلنا"حمام الباشا"شد الزفري باللجام فتوقفنا عند منزل يفصله عن الزاوية اليشرطية الطريق العام.

... ودخلت المنزل أحمل معي صرتي الصغيرة، ورحت أركض في المعبر، وأصعد السلم إلى الطابق الأعلى، واقتحمت قاعة الدار لأجد فيها سيدة بدينة، منحنية على ذاتها، وهي تنظف البلاط، ومن غير سلام ولا كلام قبلت يدها ثلاث مرات، فلقد أوصاني الجيران في طولكرم بأن أكون أديبا، وأتجنب الشقاوة، حين أصل إلى أهلي في عكا، وأن أبادر إلى تقبيل أيديهم واجتذاب عطفهم ورضائهم، فأنا ذاهب إلى بيت فيه زوجة أبي، خالتي، ضرة والدتي!!

... وظننت وأنا أقبل يد السيدة البدينة أنها"خالتي"وقد بالغت بالتخضع والمسكنة بين يديها، ولكني سرعان ما اكتشفت أنها الخادمة"ماريانا"وأن البيت الذي أنا فيه هو بيت العائلة القديم يسكن فيه عمي وعائلته، وأن والدي وعائلته يقيمون في بيت خارج السور، أعظم وأفخم، فغمرتني السعادة والبشر، وأصبحت أستبق الساعات لأصل إلى البيت السعيد.

... وقضيت في بيت عمي يومين أو ثلاثة، وأنا أستمتع بطعام شهي لم أكن قد عرفته ولا تذوقته، وصرت أتساءل في نفسي: لم يكن لي عهد بهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت