فهرس الكتاب
الطعام اللذيذ وهذه الفاكهة الحلوة، أهو الفقر الذي كنت فيه، أو أن المدينة التي نشأت فيها لا تعرف شيئا من ذلك؟
... ورحت أتساءل في نفسي كذلك، ِلمَ لمْ أذهب إلى بيت والدي، وهو بيت أعظم وأفخم، إنه لا يضيق بي، وهو يتسع للخدم والحشم.
... علمت بعد ذلك ما لم أعلم، علمت أن الأهل وأصدقاء العائلة كانوا يحاولون أن يجدوا مدخلا لطيفا ومناسبة حسنة ليكاشفوا خالتي أنني قدمت إلى عكا، وأحسب أنهم أخبروها بوفاة والدتي، وأنه لا يليق بالشيخ أسعد الشقيري أن يكون ولده عالة على الناس ...
... ويبدو أن المساعي الحميدة قد أفلحت، فقد قبلت الخالة أن أذهب إلى بيت والدي. وفي اليوم الرابع تركت بيت عمي إلى دار والدي، فوجدت نفسي في منزل كبير يفصله عن البحر الطريق العام، له حديقة كبيرة محاطة بسور، وفيه قاعة كبيرة وغرف فسيحة ومن حوله غرف الخدم والحشم.
... وجلست في مدخل البيت بعض الوقت، وأصبحت"فرجة"للداخلين والخارجين، وكان الباب يفتح علي من حين إلى حين، لتتفرج علي النساء والبنات والأولاد، وكلهم يريد أن يرى هذا الطفل الوافد عليهم من القرية، ولم أكن أدري، أهؤلاء إخوتي وإخواتي وقريباتي، أم أنهم من الخدم والحشم!!
... وأحسب أن منظري كان مزريا، فقد كنت هزيلا، ووجهي نحيلا ليس فيه إلاّ عينان جاحظتان وجبهة عريضة، وكان يزيد من حالي المهلهل أن لهجتي كانت فلاحية قروية، ليست كلهجة أهل المدينة رقة وعذوبة!!
... وما أن انتهت فترة"الفرجة"، حتى أدخلت إلى إحدى الغرف ومعي صرتي، وأحسست أن الجميع من حولي يسخرون مني، ويتغامزون علي،