الصفحة 57 من 907

ولعل الخدم قد شاركوا في هذه السخرية، ليزدادوا زلفى إلى"خالتي"، وهي سيدة البيت، الآمرة الناهية.

... وما هي إلاّ هنيهة حتى أدخلت الحمام، وتولت أمري إحدى الخادمات فغسلتني ونظفتني، وعدت إلى غرفتي، وأنا أحسّ أنني قد خلعت عن جسدي أوساخا عمرها ثماني سنوات.. أو هكذا خُيِّل إلي.

... وكان ذلك الوقت آخر عهدي بالصرة التي رافقتني في سفري من طولكرم إلى زمارين إلى حيفا وإلى عكا، فلعلها رميت مع النفايات والقمامات، وألبست ملابس لم تكن جديدة، ولكنها كانت نظيفة وجميلة، وأحسب أنها من ملابس أخَوَيّ لأبي،"عفو"و"أنور"، وأولهما يكبرني بخمسة أعوام وثانيهما يصغرني بعام واحد. وما أكثر الملابس عندهما، يوزعون منها على أولاد الفقراء. فلم لا يكون لهذا الطفل الوافد نصيب منها؟!

... وقد اضطجعت على الوسادة، نظيفا مستريحا، سعيدا بالملابس النظيفة، وبصري مشدود إلى سقف الغرفة، أنظر في اللوحة الخشبية بألوانها الجميلة، فانقطعت صلتي بالماضي، وأصبحت أعيش من جديد أنتظر ما يأتي به القدر من شؤون وشجون ... والعمر كله.. شؤون وشجون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت