الصفحة 73 من 907

مظاريفه التجارية مطبوعا عليها"عكا - بيروت"وكان طبيعيا لذلك أن ينشأ جيلنا كارها للتجزئة متعلقا بالوحدة.

... ولم يكن الجنود والضباط في عكا بأسعد حالا من المدنيين، وقد شحت الأقوات عليهم وعلى سكان المدينة، وأصبحت حالهم تدعو إلى الإشفاق والعطف.

... وإنه لمشهد لا أنساه، مضى عليه خمسون عاما من عمري، يوم كنت أسير بجانب القلعة المجاورة لبيتنا، وشاهدت"العسكري"يحملق بي وأنا أمد يدي إلى جيبي وأتناول الزبيب وآكله حبة حبة.

... لست أدري لم حدث وكيف حدث، أنني ملأت راحتي بالزبيب، وناولته إلى العسكري، فأخذ يلتهمه بنهم مفترس، وتكرر الأمر على هذا الحال مع"العسكري"غير مرة، وأصبح يؤدي لي التحية في غدوي ورواحي وتكاد أن تكون التحية العسكرية.

... ولقد زاد من إشفاقي عليه في ذلك الوقت، أنني لم أكن قد عرفت الشبع إلاّ منذ عهد قريب، وأن عهدي بالجوع قريب أيما قرب، والجياع يتعاطفون، وليس لهم ما يتنافسون عليه إلاّ الفقر!!

... وكانت أخبار الحرب تملأ المدينة كلها، فلم يكن للناس حديث إلاّ عنها، وكان المصدر الوحيد عن الأخبار رجال الحكومة، فلا صحف ولا راديو، ولا شيء من وسائل النشر التي تغمر حياتنا هذه الأيام.

... وحتى مجالس السيدات كانت مملوءة بأخبار الحرب، وقد كان في عكا عدد من الموظفين الأتراك مدنيين وعسكريين، وكانت نساؤهم يخرجن من بيوتهن محجبات حتى القدمين، تفوح منهن العطور الزكية، ويزرن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت