فهرس الكتاب
... وأحسب أن ذلك قد شق طريقي إلى حياة افضل في الأسرة، زد على ذلك أنه أصبحت لي"شهرة"في المدرسة عن جدي واجتهادي وتفوقي على أقراني، فلم لا أكون في مستوى اخوتي وإخواني ...
... وهكذا أصبحت أتناول طعامي على مائدة الأسرة، وإن يكن في طرفها الأخير، وأصبحت أجلس في"الديوان"حين يتجمع الزوار في بيتنا، وإن يكن على مقربة من الباب، وعلى الجملة فقد غدوت مع الزمن"أمرا واقعا"في المنزل وعضوا عاديا في الأسرة.
... وبهذا لم أعد معزولا، وأصبحت أكثر اتصالا بالمدينة التي نعيش بها، وأكثر معرفة بشؤونها وناسها، وأخبارها القريبة والبعيدة.
... وكانت كل أخبارها تدور حول شؤون الحرب وما جرّته من ضائقة وفاقة، وكان الناس يتحدثون أن البحر (مقطوع) فلا صادر ولا وارد. لقد انقطع الأرز فأصبح الناس يأكلون البرغل، وندر القمح فأكلوا الذرة، وانعدم السكر فشربوا الشاي وفيه حبة تمر أو تين مجفف، أمّا الكاز فقد استعاضوا عنه بخيوط مبلولة بالشمع.
... وباستثناء"شحنات"من المواد الغذائية كان يرسلها والدي من بيروت أو دمشق والآستانة، فقد عانينا هذه الأزمة في بيتنا. فما بالك بالأسر الفقيرة، لقد كانت أياما رهيبة وحالكة.
... وكانت عكا مركزا عسكريا."ومتصرفية"تابعة لولاية بيروت، وكانت حيفا"قائممقامية"تابعة بدورها لعكا، وكانت التجارة والخطوط الملاحية مع بيروت مباشرة. وإني ّلأذكر أن رفيقا لي، وهو ابن أحد كبار التجار في عكا، دعاني إلى متجر والده في وسط السوق، فرأيت على طاولته