فهرس الكتاب
... ومضت أيام وبدأ القلق يساور النفوس، فقد أخذت تتسرب الأنباء عن هزيمة الأتراك وانتصار الإنجليز، وبدأت طوابير الجنود الأتراك تتراجع، وكنا نرى الجنود يعسكرون مساء في الساحة الكبيرة المجاورة لبيتنا ثم ما نلبث في الصباح حتى نراهم قد حملوا خيامهم وأسلحتهم وولوا منسحبين.
... ثم تدفقت بعد ذلك موجة من التفاؤل في المدينة فقد وصلت الأنباء أن ضابطا شجاعا اسمه"سانكو"قد بدأ يقصف قوات الإنكليز من جبل الكرمل، وراح الناس يتحدثون عن مناعة جبل الكرمل وشجاعة الضابط واحكام رمايته، وأن الأتراك سينتصرون والإنجليز سيهزمون.
... ومضت بضعة أيام على هذا الحوار فإذا بالنبأ يملأ البيوت: لقد سقطت المدينة بايدي الإنجليز وقد دخلتها فرقة استرالية بخيولها الضخمة، وفرقة هندية بقاماتهم الطويلة وذقونهم المصففة وعماماتهم المكورة.
... وكنت يومذاك طريح الفراش مريضا بالملاريا، وكان مرضا مستوطنا، لا يغادرنا حتى يعاودنا، وكنت في حالة تشبه الهذيان من شدة الحمى.
... وحين صحوت من مرضي، صحا الناس جميعا على الحقيقة، لقد انتصر الإنجليز وهزم الترك وتراجعت فلولهم شمالا في اتجاه بيروت. وكان من الطرائف التي بلغت أسماعنا في ذلك الوقت، أن القوات البريطانية التي احتلت الناصرة اقتحمت مركز قيادة"ليمان فون سندرس باشا"ودخلت مكتبه وسيجاره لا يزال مشتعلا.