فهرس الكتاب
واشنطن 2-9-1945
حيرة وصرخة
نعود الآن الى واشنطن المدينة الجميلة التي تحتضنها الأحراش الفاتنة، نعود إليها لننشئ فيها المكتب العربي بعد أن أخفقنا، إذ لم نجد في نيويورك مكانا لائقا، فلا تزال أزمة المساكن خانقة، وإننا لنرى الزمن يمضي بنا سريعا، ونحن لا نستطيع لبلادنا عملا، والحوادث طائفة من حولنا كالأشباح الرهيبة، ويكاد الأمر أن يدبر، والمصير أن يقرر.
ولقد ولدت الحرب الأولى وعدا بإنشاء وطن قومي لليهود، ونخشى أن تلد هذه الحرب دولة يهودية، وكان الوطن القومي اليهودي خيالا ومحالا حين علمنا به، فانقضت عشرون عاما فإذا به حقيقة قائمة، وأكاد أفزع حين تشمل هذه المقارنة صورة الدولة اليهودية التي نراها الآن وَهما باطلا وإنّي أطمئن أن هذه الدولة لا قبل لها بالحياة في قلب البلاد العربية، إنّ الأمة العربية لا بد لها في مستقبل الأيام، مهما بعد العهد، أن تقتلع هذه الدولة اليهودية وتلقي بها الى أعماق البحر، ولكني أكره هذه الطمأنينة وأصر على محاربتها ومحاربة الدولة اليهودية الآن وقبل أن تلد، في مقدور البلاد العربية إن هي أرادت، وإن هي عزمت فيما أرادت.
وفي واشنطن لم نجد مكانا للمكتب العربي، لائقا أو غير لائق، إنّه ليحرجني وقد مضى علينا شهران، تقريبا ونحن نفكر في مكان يحتوينا، لنخدم بلادنا، وبلادنا تريد أن تطمئن الى مكانها الذي يحتويها.