فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 98

واشنطن 20-10-1945

المروءة تعبر الأطلنطي

العمل مرهق ومضن، يتواصل ويتلاحق، تعترضه الصعوبات هنا وهناك، فيثور الحس ويكاد يثب المرء على أطراف أعصابه، أو على أعصاب أطرافه. غير أن الحوادث كثيرا ما تحمل الوحي والإلهام، وكثيرا ما تحمل الأمل والعزم. وهذا ما وقع لي ظهر هذا اليوم.

دخل عليّ مُسلِّما باللغة العربية. وباللهجة الشامية، وكان رجلا سموح القسمات، فيه دماثة الشام، وفيه رقة الحاشية ولطف الحديث. وهما الخلتَّان البارزتان في عاصمة معاوية. فنهضت إليه أُحييه، واخذت بيده ليجلس قريبا مني. وكنت أشعر أنني اقترب من قطعة حية من الوطن. وبدأت استمع الى حديثه وإلى هجرته، والى عمله. ثم راح يسألني عن البلاد العربية وشؤونها. فشرعت أحدثه عن الشؤون العربية العامة ولكني جعلت أكبرَ همي أن أفيض في الحديث عن سوريا وكفاحها ومشاكلها. فلا بد لي أن أطفئ أشواق الرجل وحنينه الى وطنه. وقديما حدَّث أصيل الغفاري عائشة"رضي الله عنها"وهي مهاجرة في المدينة، فهاج حديثه أشجان الرسول العظيم فبكى وتذكر. ومضيت في حديثي والرجل غارق في الإنصات كأنما أصبحتْ حواسه كلها سمعا وآذانا. ثم أخذ يبادلني الحديث، يذكر أيامه. في قريته ويذكر أهله وصحبه. وكأننا لم نعد في واشنطن، أو كأنما اندثرت هيبة المكان والزمان، وتراءى لنا أننا نطوف شوارع دمشق أو ريفها بين الأنهار والأشجار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت