فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 98

نهض يودعني فإذا يد راجفة تطوي في راحته أوراق"الدولارات"يمدها إليّ وهو يعتذر أنَّ أحواله المالية ليست كما يحب ويرضى، وأنّه يقدم مبلغا لا يليق بالمكتب، ولكنه لا يستطيع الإفلات من واجبه، وألقى بثلاثين دولارا على الطاولة.

بصرت بالرجل وقد طفح وجهه بدمه، وتهدج صوته، وسَرت في أعطافه نفحة من نفحات الإيمان، وكدت أتلعثم بين يدي هذه العاطفة الجارفة، بين يدي هذا الشامي وفد علينا من المهجر، يقدم لنا المال متطوعا غير مطالب ولا مسؤول قلت له: ليس لنا بالمال حاجه أيها الأخ، إخوانك في الشام قد تفضلوا علينا بما يقوم بأمرنا، كما تفضل أهلك وإخوانك في سائر بلاد العرب، ونحن لا نريد منكم إلا عطفكم ومودتكم. ورأيت الرجل تكاد تذهب نفسه حسرات وحسرات، حين كنت أعتذر إليه، ورأيته قد صغر أمام نفسه. رأيته يظن المبلغ قليلا، بل لقد حسب أنني رأيت فيه رجلا متوسط الحال، وأنه أولى بالمبلغ. فكان لا بدُ لي أن أرُدَّ إليه اعتزازه، وكان لا بد لي أن أقر حميَّته في مكانها، وأحمله على الطمأنينة، فقلت: وما رأيك في أن أقُدم هذا المبلغ باسمك الى معهد الشؤون العربية الأمريكية في نيويورك وهو يقوم بمثل أعمالنا وواجبنا، فعادت إليه فرحته، ومضى مجبور الخاطر.

وكنت في بعض عملي في نيويورك، فزرت رجال المعهد (للشؤون العربية الأمريكية) وقصصت عليهم ما جرى وسلمتهم المبلغ. ولقد كان عظيما حقا حين فتحنا دفاتر المعهد فإذا بالرجل متبرع مزمن، يقدم المال من غير طلب أو سؤال، ومضى يومي بأجمعه والبهجة تملأ أرجاء نفسي، تطوف بها الرؤى الجميلة، والصور الماجدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت