فهرس الكتاب
ولهذا الحادث مثيل في ذكرياتي لا يقل عنه مروءة ولا حميمية، ولا أفتر أذكره كلما ساقني إليه الحديث وكان ذلك في شهر حزيران من سنة 1936 حين كنت مبعدا الى قرية سمخ لمناسبة الإضراب العام الذي أعلنه عرب فلسطين، واستمر قريبا من ستة أشهر، ولعله جاوز أي إضراب في العالم في شهرته ومدته.
في ذلك الشهر كنت في غرفتي، أستغفر الله في كوخي، الذي استأجرته في سمخ، وكان على قارعة الطريق، وقد قرع سمعي ضحى ذلك اليوم وقع حوافر الخيل ينزل عنها بضعة من الفلاحين، ويربطونها إلى حديد الشباك، ثم أخذوا يدخلون علي ويسلمون.
جلست وإياهم على البسط الممدودة في الأرض، وعليها بعض الفرش والوسائد، وأخذنا نتحدث عن حركتنا الوطنية والشؤون الجارية في تلك الأيام، ثم أخذوا يهمسون إلى بعضهم ويشيرون بالانصراف، وهم على تردد وحيرة، فتقدم أحدهم وكان إمام قرية العبيدية، تغمده الله برحمته، ومدّ يده تحت وسادتي ووضع صُرّة، فأدركت أنها مبلغ من المال، ثم نهض وهو يقول: لا تؤاخذنا نحن نعرف أنك ابن نعمة، وابن خير، وهذا مبلغ بسيط، إنّ فلاحتنا لم تكن ناجحة، والعام عام إضراب لعل زرعنا يكون حسنا هذا الموسم، فنقدم لك كل حاجتك، أنت الآن مضرب عن العمل ولا شك أنك في حاجة.
ولقد سمعت في حياتي كلاما بليغا، ولكني لم أسمع أبلغ من هذا الكلام، بل لقد قرأت كلاما بليغا ولكن قليلا منه كان أبلغ من هذا الكلام، فقلت لهم: أيها الإخوان إنّ المبلغ الذي تصفونه قليلا هو أكبر مبلغ وصل إلى