فهرس الكتاب
هؤلاء الأجانب وقد أصبحوا يرون في أحدنا طارقا بن زياد. وقد أفلتُ من صديقي، وأخذت أطوف بهذا الرتل من الناس المشدودين المأخوذين، لأرى فيهم ساعة أو بعض ساعة، أشبع فيها خيلائي وكبريائي وحمدت الله أني وجدت صهيونيا أمريكيا كان كثير المماحكة والجدل لا يفتأ عن التعريض بالعرب، وجدَ أو لم يجد الى الحديث سبيلا. فدنوت من هذا الماكر وهو يحاول أن يتوارى بغطائه وقلت له: هل أنت كورنفيلد؟ فقال نعم، قلت له"وهل أنت أيضا سهران؟ فكابر وقال: لست سهران ... أنني أشعر بالأرق لأني نمت كثيرا في النهار ولست أطيق أن أكون في حجرتي الآن فقلت له: وعساك أنت ترقب الصخرة؟ فمكر وقال: لا، الصخرة صخرة، ولكن الطبيب نصحني أن أطيل الانتفاع بهواء البحر لمرض أشكو منه، فضحكت هازئا وقلت له حين هممت بالانصراف:"
هاها ... .يجوز ... ولكني أظن أنك تشكو مرضا آخر
ولقد انتصف الليل واشتدت حلكة الظلام وأخذت الباخرة تقترب من المضيق تسترشد بالأنوار المثبوتة على الضفاف، فاشتد لصوق المسافرين بالقضبان الحديدية كما اشتد امتداد الرؤوس وإحداق الأبصار، وأمسكوا عن الحديث وودوا لو يمسكون عن الأنفاس فلا يفوتهم من مشهد الصخرة ذرّة أو بعض الذرة.
وطال الصمت ودام النظر فلم يبصروا شيئا، ذلك أن الأبصار قد باتت متعبة، وكثر تعاقد السحاب واشتداد الظلام، ثم جاءهم الربان وأنبأَهم أن الباخرة قد جاوزت الصخرة ... . وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن ...
وهنالك خاب الرجاء وتبدد الأمل، فانفرط هذا الصف الطويل من الأشباح وانسل المسافرون الى مضاجعهم وقد أضناهم الوقوف وأعياهم