فهرس الكتاب
الأرصفة، ووجوههم صوب الشمال تستطلع أنوار المضيق، حديثهم الصخرة، أمنيتهم الصخرة، لهفتهم الصخرة.
ولقد هبت الرياح رطبة باردة فلم يستشعر المسافرون البرد إلا بعد زمن، فتساقطوا الى حجراتهم يخطفون ما وقعت عليه أيديهم من غطاء أو رداء، ثم يتزاحمون صاعدين الى أماكنهم في الأرصفة وقد لفوا أجسادهم بما حملوا لفا شديدا، واتجهوا بأبصارهم الى ما وراء الأفق البعيد، الى موطن الصخرة ولو أن رجلا قد هبط على الباخرة تلك اللحظة ورأى هذا الرتل الطويل من الرجال والنساء وهم جاحظون في الأفق البعيد، لأيقن أنه رتل من الرهبان وقفوا يتعبدون ... .وما درى أنهم ناس يتفرجون.
ويمضي الوقت طويلا وهذه الأشباح الملفوفة، شدت أبصارها الى هدف واحد، تغرق في الصمت العميق لا يقطعه إلا حديث واحد، هو الحديث عن الصخرة وكفى.
ذلك كان شأنهم جميعا، أما صديقهم الكهل فقد وجد في الحديث عن الصخرة أعظم العزاء فيما أصابه من بلاء، بلاء الجيرة لتلك العجوز العجفاء.
وكنا نحن، معشر العرب، ثلاثة في الباخرة، ناظم بك القدسي، ووهيب بك دوس وأنا.
فأخذَنا الزهو والعزة كلما استمعنا الى حديث الصخرة وكلما رأينا لهفة هؤلاء الأجانب على أن تكتحل عيونهم بمشاهدة الصخرة. وكان أكثر الركاب ينظرون إلينا كلما تحدثوا عن هذه الصخرة، وأنا موقن أنه لم يكن في أحد منا ما يلفت النظر. وكنا الى ذلك العهد ثلاثة من المسافرين وانتهى، ليس لنا شأن ولا ذكر ، فإذا بالصخر يفيض علينا النباهة والذكر, حتى لقد خيِّل إلي