فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 98

وبلهجة أميركية، عامرة بالإمالة والغُنّة، اعتذر عن هياج البحر، ورجا إليهم أن لا يعتبوا، أو يلوموا ...

فانطلقت الحناجر الناعمة والخشنة بالقهقهات، موقعات وغير موقعات، إلا حنجرة واحدة ظلت كاظمة أمرها ووترها، ذلك أن الرجل الكهل ما زال مغيظا حنقا من جارته العجفاء ... ثم مضى الربان يقول (ستجربون حظكم هذه الليلة فنحن نوشك أن نبلغ مكانا من البحر، طريفا وعظيما، ولا أدري هل نمر به في الهزيع الأخير من الليل، أم سنصله في الصباح، والأمر على كل حال رهين بحظكم وطالعكم، أتدرون ما هو هذا المكان؟

فصاحت أميركية باسلة، وقد نهضت على أطراف أقدامها:"الصخرة ... .الصخرة ... فردد القائد معها بصوت رزين وقور قائلا: (الصخرة.. الصخرة ... وستمتحنون طالعكم هذه الليلة وأتمنى لكم حظا سعيدا) ."

وانصرف الربان الى حجرته ولم يكد يغادر قاعة الطعام حتى تناثر المسافرون عن المائدة وانتظموا في حلقات حلقات، يتحدثون عن الصخرة، يطلبون الحديث فلا يملونه ثم ينفرطون أزواجا أو فرادى، ويهرولون الى ممرات الباخرة ودهاليزها والى الأرصفة والشرفات ليروا هذه الصخرة التي شغلتهم في ليلتهم هذه عن العالم الجديد الذي غادروه، وصرفتهم عن العالم القديم وقد استقبلوه

ولم يعد الأمر سرا مكنونا، أو أحجية غامضة، فإنها صخرة طارق بن زياد، عابر المضيق، مضرم النار في السفن، قاهر الفرنجة، وفاتح الأندلس.

ولقد نذرت هذه الباخرة نفسها ومن فيها أن لا يغمض جفن ولا يوطأ مقعد أو سرير، فالجميع أسبلوا أيديهم أو اعتمدوا صدورهم فوق قضبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت