فهرس الكتاب
الصخرة ... ... .الصخرة
تناولنا عشاءنا على مائدة لعبت بها الأمواج، تنزل بها الى قاع من القاع ثم تتسلق طريقها الى الأبراج، وكانت أطباق الطعام وأواني الشراب تميد يمنة ويسرة حتى كادت أن تتداولها أيدي الآكلين والشاربين. وكان المسافرون يرتطمون ويصطدمون بعضهم ببعض حين ينزلقون عن مقاعدهم الطويلة كلما هاج البحر. وقد أصابت الجميع نشوة من الفرح، أشاعته عصبة من الأميركيات اللعوبات، أطلقن لمرحهن العنان فألقين أكتافهن وسواعدهن وشعورهن، وسائر ما يتصل بالنون الثقيلة، حيثما تقع وحيثما اتفق.
ولكن كهلا من ركاب الباخرة كان قد اعتمد ظهره الى جدار الباخرة واتخذ مجلسه في آخر هذه المقاعد الطويلة، ذلك الكهل انكمش على نفسه واجما، يأخذه العبوس والانقباض كلما قذف اهتزاز الباخرة الى جنبه وحضنه عجوز شمطاء عجفاء، لم تترك زينة ولا زخرفا ولا ألوانا إلا وضربت منها على وجهها وملابسها وشعرها بأوفر نصيب، في قبح عجيب.
وسط هذا الهرج وقف ربان الباخرة، بقامته الفارعة من غير تكلف ولا عناء. وليس"الوقوف"ميسورا في تلك الفترة التى انطلقت فيها عفاريت البحر تتجاذب الباخرة، وأخذ الربان يجيل بصره في المسافرين وجها لوجه ليفشي فيهم الهدوء والثقة، فإنه يوشك أن يفاجئهم بنبأ يسلبهم الرقاد.