الصفحة 136 من 596

وطبيعي أن ثروة هذه المقاطعات كلها، كانت ثروة للوطن أجمع، وللمواطنين أجمعين. وهذا ما يفسر لنا الكلمة التاريخية الشهيرة التي نطق بها الخليفة هارون الرشيد، وهو ينظر إلى سحابة تمر فوق سماء بغداد، فقال لها: اهطلي حيث شئت فإن خراجك سوف يأتينا. وديوان الخراج: كان بمثابة وزارة المالية للدولة بكل مقاطعاتها من المحيط إلى الخليج.. ومن هذا الخراج كانت تدفع"أرزاق الجيش وتبنى المساجد والمستشفيات والمدارس وتعبد الطرق والسكك وتنشأ الجسور وسائر المرافق العامة في البلاد" [1]

ولا حاجة إلى المقارنة بين ما كان وما هو كائن في الوطن العربي، فإن ثروة كل"دولة"عربية في هذه الأيام تحتكر للدولة العربية نفسها، وإذا قدمت من مالها شيئًا لدولة عربية أخرى فهو مساعدة إنسانية. ويستطيع المواطن العربي المعاصر أن يدرك لنفسه اليوم أن ثروة العرب في العصور الوسطى كانت للعرب، من غير شعار.. والشعار الذي يردد اليوم"بترول العرب للعرب"كلام جميل.. ولكن مضمونه هزيل وذليل.

وقد خلف التاريخ، للمواطن العربي المعاصر، للعبرة والذكرى، إحصاءا ت عن الواردات التي كانت تتجمع في"وزارة المالية المركزية"في بغداد .. فقد كان يحمل إلى بغداد من السواد (جزء من العراق) قرابة 28 مليون درهم .. ومن مصر 24 مليون درهم، ومن سوريا وفلسطين 15 مليون درهم .. وفي تقرير آخر بلغت واردات السواد (جزء من العراق) .. 130 مليون درهم، ومن مصر 37 مليون درهم، ومن فلسطين وسوريا 29

(1) مقدمة ابن خلدون، ص150 ، 151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت