الصفحة 144 من 596

الأرجاء وبدأت حملة كبرى للترجمة والتأليف امتدت طيلة قرن من الزمان.. وأنشأ المأمون على وجه التحديد معهدًا كبيرا أسماه"دار الحكمة"في بغداد (830) للقيام بهذا النشاط العلمي الضخم، وألحقت به مكتبة كبرى ودار للعلم، فكانت دار الحكمة من أكبر المعاهد العالمية التي عرفها تاريخ الفكر الإنساني.

وكان أولئك التراجمة من طبقة العلماء.. فهذا شيخهم حنين بن اسحاق (809 - 873) كان من أكابر علماء الطب، وقد اسند إليه المأمون رياسة دار الحكمة وعمل معه في هذا الجهد الجليل ابنه وابن أخته وكان تحتهم مئات من النقلة والكتاب، وروي عن المأمون أنه كان يعطي رئيس دار الحكمة، بن اسحق من الذهب زنة ما ينقله من الكتب [1] . والحكام العرب المعاصرون لا يعطون ما زنته ذهبًا ولا حطبا، ويكفي أن ينجو المؤلفون من القيود والحدود.

وفي هذا المناخ العلمي الذي أوجدته الخلافة العباسية تفجرت العبقريات العلمية متجاوزة حدود الدولة وزمانها، فظهر الرازي وابن سينا وهما من أكبر علماء الطب في ذلك العصر، ولهما صورتان كبيرتان تزينان القاعة الكبرى في مدرسة الطب بجامعة باريس، وقد ترجمت كتبهما إلى اللغات الأوروبية وظلت تدرس في الجامعات الغربية إلى القرن السابع عشر.. ونبغ الكندي الذي أصبح يلقب"فيلسوف العرب"وكان فيلسوفًا ممتازًا وعالمًا بالفلك والبصريات والموسيقى وانتشرت كتبه في الغرب وتأثر بها علماء أوروبا إلى حد بعيد.. وكذلك الفارابي الذي أصبح يعرف"المعلم الثاني"بعد أرسطو.. وكذلك البتاني أعظم فلكي في الإسلام. والبيروني أعظم

(1) ابن أبي أصيبعة، ص187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت