الصفحة 143 من 596

من غير شك حصيلة الثورة الفكرية والبشرية والمالية التي كانت تحت تصرف الدولة الوحدوية.. وماكانت لتكون لولا الوحدة..

... ولسنا في حاجة إلى توكيد هذا المعنى، ونحن لا نقوله تعلقا بالوحدة، أو غرامًا بها، أو اسرافًا في مزاياها.. فإن الدارس الباحث للإنجازات العلمية الضخمة التي قامت بها الدولة العباسية وخاصة في عهد المأمون (813) لا يستطيع أن يجد تفسيرًا عاقلًا لهذه النهضة الفكرية إلا أنها"المجموع"العام لقدرات الأمة الواحدة، والدولة الواحدة.. وحسبنا أن نتخيل للحظة واحدة ان بغداد المأمون كانت عاصمة العراق وحده.. إذن ما استطاعت أن تحقق عشر معشار تلك النهضة الفكرية العالمية، التي أصبحت فيما بعد قاعدة كبرى للحضارة الإنسانية المعاصرة.. ولكن بغداد كانت يومئذ عاصمة للوطن العربي كله، وللأمة العربية بأسرها، وبهذا، وبهذا وحده استطاعت أن تحقق ذلك الإنجاز بل الإعجاز في ميادين العلم والمعرفة.

ولا يتسع المقام للكلام المفصل عن النهضة الفكرية الضخمة التي نمت في عهد الدولة العباسية ، فالمؤلفات العربية والأجنبية في هذا الموضوع تزين جدران المكتبات العامة، ويكفي في كلمة موجزة أن نشير إلى أن الثقافة القديمة اليونانية والهندية والفارسية التي كانت مطمورة في الأديرة والمخازن المتنوعة، قد جمعت في بغداد، وترجمت وهذبت، ولخصت ثم توجت بأصناف علمية بارعة.. وأصبح ذلك كله فيما بعد أساسًا لليقظة الفكرية في أوروبا.. ومن أوروبا كان الأشعاع إلى اقطار الأرض.

... وكما اجتذبت أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية النخبة الرفيعة من علماء الألمان واستخدمتهم في مجالات العلم المختلفة، فكذلك بغداد في العصور الوسطى، فقد استقدم الخلفاء العباسيون العلماء والمترجمين من كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت