الصفحة 142 من 596

المأمون للمقابلة بين محاسن الإسلام والنصرانية [1] ، وفي النصف الثاني من القرن التاسع تولى عدد من النصارى مناصب وزارية، وفي عهد الخليفة المنتصر تولى نصراني معروف رياسة المكتب الحربي للجيش [2] وهو منصب خطير ينم عن ثقة الدولة بالمواطن، وإخلاص المواطن للدولة.

وكذلك فقد كان لليهود مقام مرموق في الدولة، ويكفي أن نعلم أنه كان في بغداد، حسب رواية الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي، عشر مدارس للحاخامين وثلاثة وعشرون كنيسا، كما وصف كيف كان يعامل بالاحترام والتقدير رئيس الملة الإسرائيلية في بغداد، وما كان يملك من قصور ودور ومزارع وأموال وافرة، وكيف كان يذهب إلى الخليفة في موكب رسمي كبير يحيط به رهط من الفرسان، وأمامه حاجب يصيح بأعلى صوته"افسحوا دربا لسيدنا ابن داود". [3]

... كان لا بد أن ننبش هذه الوقائع من جوف التاريخ جوابًا عن السؤال الذي يتردد على الدوام كلما ثار البحث عن الوحدة العربية: وماذا تفعلون بالاقليات في الوطن العربي..؟ لقد أجاب التاريخ الغابر على هذا السؤال المعاصر..

... ولكن أعظم انجازات الدولة العباسية، وأخلدها في صفحات التاريخ الإنساني، كان في مجالات العلم والثقافة والفنون على الصعيد العالمي، وكانت بغداد العاصمة هي قطب الرحى في هذه الإنجازات الخالدة.. وهي

(1) رسالة عبد المسيح بن اسحاق الكندي.

(2) ياقوت ، أدباء، ج 2، ص 259. الفرج بعد الشدة ج 2، ص 149.

(3) رحلة بنامين التطيلي، طبعة بغداد، ص 120 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت